عندما تشتد الازمات في لبنان تكثر الطروحات التي يرفعها هذا الطرف أو ذاك ، وفي يقينه أن طريق الإنقاذ والخروج من النفق المظلم لا يكون إلا باعتماد إحداها.

وفي بدايات ​الحرب اللبنانية​ في العام ١٩٧٥ رفع العديد من الافرقاء شعارات من مثل التقسيم أو ​الفدرالية​ أو الكونفدرالية أو اللامركزية السياسية أو اللامركزية الموسعة. طروحات تؤدي إلى النتيجة نفسها: تغيير جوهري في بنية لبنان ودوره.
وكانت فكرة الحياد والتشييد من الأفكار المطروحة: حياد على الطريقة النمساوية، أو السويسرية.
ولعل النائب السابق الراحل منوال يونس كان السباق في طرح مشروع متكامل يقوم على إنشاء مجلس حكم منتخب تتمثل فيه ​الطوائف​ الرئيسة في لبنان تنحصر فيه رسم ​السياسة​ العليا للبلاد، يشرف على حكومة تكنوقراطية تعمل على إدارة شؤونها وتنفذ الخطوط العريضة التي يرسمها مجلس الحكم في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. على أن تكون رئاسة هذا المجلس مداورة بين الطوائف الرئيسة، ويكون ​رئيس الجمهورية​ المتقدم بين المتساوين، أي لا صلاحيات له خارج دوره البروتوكولي في ترؤس الاحتفالات الرسمية والوطنية واستقبال الوفود الخارجية. على أن يقترن ذلك بإعلان حياد لبنان. يومها رفض المعنيون، ولاسيما في ال​طائفة​ المارونية، وعدّوه انتقاصا من الدور المسيحي، كطائفة مؤسسة لدولة لبنان الكبير، منحت امتيازات كانت أقرب إلى الضمانات بعد المحن التي طاولت المسيحيين بعد مذابح العام ١٨٦٠ ومجاعة الحرب الكونية الأولى (١٩١٤‐١٩١٩) وافنت وهجرت عشرات الآلاف منهم.
واليوم تعود نغمة الفدرالية إلى الارتفاع متأثّرة ب​الأزمة​ المالية والاقتصادية الضاغطة. ولمّا لم تلق هذه النغمة آذانا صاغية لدى المعنيين، انتقل البعض إلى طرح موضوع الحياد، وتمكن من إقناع ​البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي​ بها. وهو طرحها بدوره عن اقتناع، خصوصا بعدما قام وزيران سابقان بتزيين ايجابياتها على لبنان. ولاقى طرح البطريرك احتضانا من الرئيس السابق ​أمين الجميل​ و"​القوات اللبنانية​" وأخيرا من رئيسي ​الحكومة​ السابقين ​سعد الحريري​ وفؤاد السنيوره، وفي اعتقادهما أن هذه هي الطريقة الأجدى لعزل ​إيران​ وتقليص نفوذها تمهيدا لاخراجها من لبنان. ووجد نداء الراعي صدى لدى سفراء ​الدول الخليجية​، ولاسيما السفير السعودي في ​بيروت​ ​وليد البخاري​.
لكن ما يلفت إليه أحد الخبراء أن الف باء الحياد ينطلق من إجماع لبناني داخلي، ويستحيل فرضه بالقوة. وطالما أن الأمر مرفوض من مكون لبناني رئيس ومن مجموعات سياسية من كل الطوائف والمناطق سيكون تسويقه صعبا للغاية، ولو أن في حيثياته أنه حياد إزاء المحاور الخارجية باستثناء ​اسرائيل​ طالما لم تحل أزمة ​الشرق الأوسط​ وسيبقى ​اللاجئون الفلسطينيون​ في لبنان، ويبقى معهم خطر ​التوطين​ قائما.
إضافة إلى أن الموقف السوري حيال الموضوع هو رافض للمبدأ من الاساس، لأنه يمس بامنها الاستراتيجي. كما أن الموقف الإسرائيلي ملتبس ويميل إلى الرفض للاعتبارات ذاتها.
شاءها البطريرك الماروني مغامرة. ويلتزم خوضها... ولعل وعسى.
فهل تؤسس الخطوة لمرحلة جديدة، لا يمكن التكهن بمآلاتها منذ اليوم او إلى مزيد من التصعيد؟!.
هذا ما تتكفل الايام بالإجابة عليه.