عند الحدود الجنوبية ل​لبنان​، يعجز أعتى المعادين ل​إسرائيل​، عن غض النظر. لا بد وأن يرمي الجانب الآخر الأخضر بنظرة من الحسرة. هذه الحسرة فطرية لا تُــفسد تأييد المقاومة. يؤديها الزائرون على حين غِرّة، ثم يمشون. والمشكلة أنهم يمشون، والفطرة تبقى فطرة، لا تجد طريقاً الى المنطق الجمعي.

التاريخ يمنح نظرة الحسرة تلك، تبريرات كثيرة. ويجد لها أسباباً تبقيها مجرد نظرة وتمضي. فموروث المقاومة لا يتحمّل التشتت في الأحلام. لا يتحمّل الانشغال عن ذاته، حتى بذاته نفسها. هو موروث يقوم حصراً على ​السلاح​ والذخيرة، وبالطبع على كل ما يمكن أن يحيط بالمقاومة المسلحة من حملات تثــقيفية توعوية تحافظ عليها. وطالما كانت الحال: لا مجال «الآن» لأي قرقعة خارج أرض المعركة. و«الآن» هنا توغلت في الماضي والمستقبل، حتى أصبحت قيداً مزمناً فتح ذراعيه على كل مناحي ​الحياة​.
بالأمس، أطلق (الأمين العام ل​حزب الله​) ​السيد حسن نصرالله​ ما سُمّي بالمقاومة الزراعية. في العنوان العريض، الموقف ممتاز. لكن في العمق، يفتح هذا الأمر على كمّ كبير من الحسرة والتحسر. ألم يكن من الضروري أن تكون ​الزراعة​ أساسية، منذ سنوات طويلة، في دعم موقف لبنان في المقاومة والصمود؟ وهل تستوي أي مقاومة في القرن الواحد والعشرين دون بيئة اقتصادية منتجة؟ في العقود الثلاثة الأخيرة، كان كل شيء ملائماً. المقاومة لم تكن تفصيلاً يشبه ما كانت عليه بعض ​فصائل المقاومة​ التي عرفها التاريخ.
أولاً، كان للنهج السياسي المؤيد للمقاومة أعضاءٌ في ​مجلس النواب​، وبعدد كبير، الأمر الذي كان يسمح بتقديم اقتراحات قوانين مهمة تعزز الزراعة و​الصناعة​ و​الطاقة​، وتحدث تنمية حقيقية، متوازنة ثم مستدامة.
ثانياً، أمسكت قوى المقاومة بوزارات تُعتبر في المفهوم المتطور للأمن الاجتماعي والإنساني، وزارات «فوق سيادية»، ومن بينها الزراعة والصناعة والطاقة والأشغال. كان لا بد من وضع خطط واستراتيجيات متوسطة وطويلة الأمد.
ثالثاً، وبسبب طبيعة ​النظام اللبناني​، تسيطر القوى المؤيدة للمقاومة، نيابياً وشعبياً واجتماعياً، على حوالي نصف مساحة لبنان، حيث توجد مقدرات مهمة على كافة الصعد، وأراضٍ خصبة، من ضمنها في طبيعة الحال جزء كبير من سهل ​البقاع​، الذي كان يمكن أن يكون أهراءً جديداً، لتحصين لبنان، فهو أحق به من «روما». لكن ذلك السهل بقي صورة تختصر الحرمان المدقع، في زمن لم يعد فيه ​الأمن​ الإنساني يتقيد بقياس الجوع والغذاء، بل تعداهما إلى الحق المكتسب بالعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.
رابعاً، من نافل القول إن هناك الكثير من الثروات الفردية التي كان يمكن أن تُوجَّه وتُوظَّف في إطارات منتجة، ضمن خطة متكاملة ذات رؤية وأهداف محددة، تدعم ​الاقتصاد​ المستدام، خصوصاً من خلال الزراعة والصناعة.
خامساً، كان الوقت طويلاً جداً وكافياً للعمل والإنتاج، ولتخطي المطبات، وبالطبع لمواجهة أي ​سياسة​ تعرقل التنمية المتوازنة أو تمنع تطوير الزراعة والصناعة. حتى أن الاستمرارية في الوزارات كانت مؤمّنة على مدى سنوات طويلة. الوقت كان كافياً لتعلّم واكتساب مفاهيم الحكم الرشيد وأسس التنمية المستدامة، وعلى مهل. كان كافياً لوضع خطط خمسية وعشرية، وتنفيذها ثم مراجعتها ثم تصويبها، وأيضاً على مهل.
بالتالي، كانت الظروف تسمح بتطوير المقاومة، لجعلها شاملة، في الاقتصاد والاجتماع، الى جانب ​السياسة​ والسلاح. لكن ذلك لم يحصل. موروث المقاومة المسلحة التقليدية بقي هو الطاغي. لا استراتيجيات حقيقية، لا رؤى مهمة لتعزيز الاقتصاد. لا مشاريع كبرى، مناطقية أو على مستوى الوطن، لا من خلال BOT أو BOO أو ROT، ولا بأي صيغة أخرى. كان في الإمكان على مدى كل تلك السنوات التوجه شرقاًأو غرباً، والإتيان بالمشاريع، واحد تلو الآخر، أي بالقطعة، حين لم تكن هناك عوائق سياسية كبيرة.
في النتيجة، أداء مختلف قوى المقاومة الاقتصادي الاجتماعي كان خجولاً. هذا الأمر أصبح حقيقة لا يمكن إنكارها. العمل كان عادياً، تخترقه في بعض الأحيان إنجازات آنية معيّنة. سنوات طويلة داخل البرلمان والحكومة لم تستطع أن تدفع نحو بناء اقتصاد مقاوم، وفي طبيعة الحال دولة مقاومة. يكفي النظر إلى أنواع وأرقام واردات لبنان، ليتضح أن الوضع كارثي، وأن الإهمال كان رهيباً.
التاريخ الحديث يعجّ بأمثلة عن حركات وطنية نهضت بدولها، في الزراعة والصناعة على مدى عقدين أو أكثر، لتفرض نفسها في السياسة وكل ما يحيط بها. بناء الاقتصاد المنتج يُحدث توازن رعب. الاقتصاد الريعي عدو كل مؤيد للمقاومة قبل أن يكون عدو اللبنانيين بشكل عام. صحيح أن الاقتصاد في أول مراحل نموه، قد يكون هدفاً سهلاً للعدوان، لكن في مراحله التالية يتشعّب في المصالح إقليمياً ودولياً، فيشتدّ عوده، ليصبح عصياً على التهديد وعلى العدوان. وليس الحديث هنا عن تعاون اقتصادي يصنع توازن ​السلام​، بل عن أمور أخرى كثيرة وكثيرة جداً.
في لبنان تحديداً، وبسبب المعطيات المحلية والجيوسياسية، لم يكن التسلح من أجل المقاومة ليتناقض مع بناء ذلك الاقتصاد المنتج. نظرية المؤامرة تقول إن غياب التنمية قي البقاع مثلاً، يخدم المقاومة المسلحة. لكن الرؤية الاستراتيجية تقول إن وجود التنمية يُعزز المقاومة المستدامة.
الخوف، كل الخوف الآن، أن تكون بوصلة الزراعة المستجدة، تنطلق حصراً من ​الأزمة​ الحالية في لبنان، وليس من مراجعة عميقة للعقود الأخيرة. الخوف ألا تكون تلك الهبّة استفاقة استراتيجية، بل مجرد ردّ تكتيكي يستهدف إيجاد حلول آنية للضائقة المعيشية. فالعوائق أصبحت الآن كثيرة جداً، لا يمكن أن تُواجه من دون خطط تفصيلية حقيقية.
في المحصلة، الإنكار لا يجدي والندم لا يفيد. الحلّ في المراجعة وتغيير النهج في الأداء الحكومي والنيابي. وإذا كان الإمام ​موسى الصدر​ قد رأى أن سلام لبنان هو أفضل وجوه الحرب مع إسرائيل، فالاقتصاد المنتج هو ثاني أفضل وجوه تلك الحرب. ثم يأتي دور السلاح. فما النفع إن سقط الوطن وبقي السلاح؟
في هندسة المقاومة الحديثة، الجودة الشاملة يجب أن تكون هي المعيار. وهي جودة تَسقط إذا انحصرت في السلاح. فلا بد من بيئة منتجة ومحصّنة. لا بد من مقاومة مستدامة. وفي الانتظار، ستبقى الحسرة على مضى من سنين وما فات من فرص، ولن يمحوها إلا ما قد يأتي.