إنّ عظمة ​الحياة​ لا تعرف قيمتهاإلّاساعة الموت والفراق، ليبقى الموت السّرّ الأكبر من أسرار الوجود، فيدفع ​الإنسان​ إلى أن يتبصّر في معاني الموت، في عمق أبعاده الوجوديّة، طوال مسيرته نحوه. إلّا أنّ، ومع إطلالات كلّ فجر لا يشرق فيه بريق أمل أو بصيص حياة، لا يسع الإنسان ولا الكائنات الحيّة إلّا التّسليم اليائس لهذا السرّ الأكبر، ولفظ أنفاسه الأخيرة، على هذه البسيطة، ليستعيد نقاوة الرّوح الخالدة.

إذًا، بما أنّ حبّ البقاء بات غريزة متربّصة بكلّ كائن حيّ، فهل ثمّة تفسير لظاهرة ​الانتحار​ الّتي تتزايد، في الآونة الأخيرة، في ​لبنان​؟ يتظهّر أنّ هذه الحالةلا تعدّ انتحارًا شخصيًّا، بمعنى فقدان الشّخص أيّ معنى للوجود، ولاستمراريّة الحياة، ولا للوقوع في الفراغ المطلق، ولا حتّى الكفر بالله، (أنا مش كافر) (سامحوني)… على غرار ما يرد في الكثير من الرّسائل القصيرة الّتي يتركها المنتحرون، قبيل ولوج النّهايات.
من الناحية الإيمانيّة، تشجب الكنيسة الإقدام على الانتحار باعتباره يتعارض ومحبة الله، ويتعارض والشّريعة الأخلاقيّة، إلا أنّها تخفّف من مسؤوليّة المنتحر، لذا،فهي تصلّي لأجل الأشخاص الّذين اعتدوا على حياتهم الخاصّة.
وعلى الرّغم من أنّ ​الإسلام​ يعتبر من قتل نفسه عمدًا، مذنبًا وعاصيًا أمام الله، إلّا أنّ هذا لا يخرجه من الدّين، لذا يشرّع الإسلام الصّلاة عليه.
وكلّ من يؤمن يعرف بأنّ لله القدرة على أن يهيّئ للمنتحر الطّرائق الّتي يعلمها، والظّرف الملائم للنّدامة، كما تعلّم الكنيسة الكاثوليكيّة.
لقد أصاب محمّد درويش في قوله: "لم يسألوا: ماذا وراء الموت؟ بل ماذا سنفعل قبل هذا"؟إلّا أنّ الرّسالة المدوّية الّتي يتركها المنتحر، تعبّر عن وجع، وألم،ويأس،تعجز عنها الكلمات والأفعال. لربّما أراد المنتحر أن يقدّم أغلى ما يمتلكه فدية وصرخة موجعة، في ساحة القتال، من أجل لقمة العيش الكريم، وعزّة النّفس المعروف بها اللّبنانيّ، في أزمة اقتصاديّة خانقة طالت أبناء الوطن كافّة. إذًا، ليس الانتحار الّذي نسمع عنه، في كلّ يوم، هو شخصانيّ وفرديّ، إنّما هو النّداء الأخير لانتحار جماعيّ، أو الحكم ب​الإعدام​ عمدًا...
لقد توصّلت ​العلوم​ الإنسانيّة، وعلماء النّفس، على وجه الخصوص، إلى ربط ظاهرة الانتحار بأسباب عقليّة ونفسيّة، وقد ردّها الأباتي أنطوان راجح، في كتابه "مسكّنات الموت"،إلى فصام ذهانيّ،أو هلوسات سمعيّة وبصريّة، في صور تتماثل أمام المقدم على زهق نفسه، وتلاحقه، أو نتيجة عوارض جانبيّة لبعض العقاقير والإدمان، أوالشّعور بوحدة نفسيّة واكتئاب، أو وسواس قهريّ جامح، ممّا يجعل الإنسان في حالة انفصال، بين كيانه الدّاخليّ وعالمه الخارجيّ…
لعلّ العلوم السّيكولوجيّة تعطي بعض نظريّات التّفسير المقنعة،ولكن، أليست هذه الظاهرة المتفشّية في لبنان، وفي الأماكن العامّة، قراءة اجتماعيّة، وصرخة تعلو على كلّ الأصوات و"المنظّرين"؟.
يقول بسكال: "أؤمن بقضيّة يستشهد من أجلها صاحبها". أليس هؤلاء الّذين يزهقون أرواحهم، ويشعلون النّار في أجسادهم، شهداء في المعركة ضدّ المنظومة السّياسيّة والاجتماعيّة القائمة في وطننا؟وكم من الأشخاص، في الآونة الأخيرة، يتهاونون في معاينة الطّبيب، أو تأجيل دخول المستشفى،باعتبار أنّإطعام أطفالهم أهمّ من دوائهم؟أليس هذا نوعًا من أنواع الانتحار؟ أو من القتل عمدًا؟ وأعدادهم لا تعدّ ولا تحصى!.
يجب ألاّنقرأ هذه الظّاهرة، من الجانب السّيكولوجيّ،على أهمّيّته، وحسب، بل قراءته كرسالة موت قصيرة،أو قل رسالة حياة موجّهة إلى كل أصحاب النّوايا الحسنة، وإلى كلّ من يمتلك زمام الأمور السّياسيّة والاقتصاديّة، وأصحاب القرار،وكذلك المجتمع المدنيّ، في كل شارع من شوارع مدننا، وكلّ حيّ من أحياء قرانا،للدّعوة إلى التّعاضد، وبث روح الأمل، والرّجاء، وقيمة الحياة.
فعلى الرّغم من شجبنا فكرة الانتحار، فهل يحقّلنا، في هذه الظّروف الاستثنائيّة، نقل صفة الانتحار،أدبيًّا، من القتل، إلى الاستشهاد، لعلّها تحرّك الضّمائر النّائمة؟.