ما لم يتوقعه ال​لبنان​يون إطلاقاً في شأن تعاطي العواصم الإقليمية والدولية حصل: زحف سياسي ودبلوماسي إلى بيروت. ما هو السر؟ هل حرّك إنفجار المرفأ ضمائر العالم، فشدّوا الهمم الإنسانية دفعة واحدة؟ أم أن هناك تحضيرات لمرحلة جديدة سرّع في إنطلاقتها إنفجار بيروت؟.

إزدحمت الطائرات القادمة من كل إتجاه على مدرّجات مطار بيروت الدولي في العاصمة اللبنانية، سبقتها قرارات ومساعدات وبوارج وسفن تحمل لوازم طبّية وغير طبّية. وحدهم الخليجيون غابوا عن بيروت تاركين الساحة اللبنانية لفرنسي يواجه تمدداً تركياً، ولألماني يثبّت وجوده المعنوي، ولمصري يحمل أخوّة عربية صافية لا غير، ولعراقي كان الاسرع والأفعل بتقديم مساعدات نفطية مهمة، ولأميركي يُدوزن حساباته على أساس مستجدات الحدود الجنوبية اللبنانية، ولإيراني يرسّخ دوره في الساحة اللبنانية، ولروسي يراقب عن بُعد بعدما لمس عدم تجاوب المعنيين في بيروت بعروض المساعدات التي كان ينوي تقديمها للمؤسسة العسكرية اللبنانية، ولصيني لا يحسب بيروت مركزاً لإهتماماته فإكتفى بتقديم مبلغ مالي زهيد نسبة إلى حجمه الإقتصادي، ولآخرين يلعبون أدواراً دبلوماسياً فولكلورية.
إذا، هناك تحول حصل بعد إنفجار ​مرفأ بيروت​: العواصم الفاعلة وضعت لبنان في سلّم إهتماماتها وكسرت الجمود وتوجّهت نحو عاصمة كانت منسية خلال الأشهر الماضية تواجه أزمات إقتصادية ومالية وصحّية وسياسية من دون أدنى إهتمام خارجي بها.
قد يكون حضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هو من جذب الآخرين خلفه. لكن لماذا؟ لم يعد خافياً على أحد أن السباق التركي-الفرنسي في حوض شرق المتوسط فرض على باريس التمسك بلبنان، حيث مساحة الفرنكوفونية والإرتباط "بالأم الحنون". لن تتفرّج فرنسا على تركيا التي تحاول التمدّد في لبنان، بإعتبار ان النزاع بين الإثنين يتظهّر اساساً قبالة ليبيا، وقبرص، واليونان، على مساحة بحرية مهمة بالثروات الطبيعية في حوض البحر الأبيض المتوسط.
يعرف الأتراك والفرنسيون أن الولايات المتحدة الأميركية تنسحب تدريجياً من الإقليم، فيسعون لوراثة أو لملء فراغ مقبل في مناطق أساسية بالمعنى الإستراتيجي. لذا، فإن ماكرون يتفرّغ منذ أيام لدفع اللبنانيين بإتجاه تأليف حكومة وحدة وطنية، من خلال اتصالات يومية يجريها مع رؤساء دول ومسؤولين لبنانيين، تشكّل سابقة فرنسية بخطوات تزيد عما كان يفعله صديق لبنان الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك.
إذا كان الهدف الفرنسي واضحاً، في ظل نيّة الأميركيين الإنسحاب من الإقليم، فماذا عن أهداف واشنطن؟ بمجرد مجيء الدبلوماسي المتمكّن ​ديفيد هيل​ الى بيروت يعني أن الهدف هو ملف ترسيم الحدود البحرية. يريد الأميركيون إنجازاً على هذا الصعيد، لإنهاء ملف ساخن يتعلق بحليفتهم إسرائيل. يشكّل هذا الملف سر الزيارة الأميركية لبيروت الآن لا غير. الباقي عندهم تفاصيل وشكليات تدعم الموقف الفرنسي بدليل إستجابة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتمنيات ماكرون بدعم لبنان، كما بدا في اتصال زعيم البيت الأبيض برئيس الجمهورية اللبنانية ​ميشال عون​، ومشاركته في المؤتمر الداعم للبنان.
بالنسبة لكل الدول الأوروبية، هناك دعم واضح لما يريده ماكرون تجاه لبنان. ايضاً إستجاب الروس مع الفرنسيين بهذا الشأن، رغم أن مسؤولاَ روسياً إتصل بشخصية لبنانية عرض خلالها المساعدات الروسية لما يحتاجه لبنان عبر طائرات يومية جاهزة كي تأتي من مطار حميميم السوري إلى المطار اللبناني، لكن الشخصية اللبنانية تجاهلت العرض الروسي بشكل كامل، فإكتفت موسكو بما قدمته من مؤازرة ميدانية ودعم لوجستي ومساعدات عينية.
أمّا العرب الذين يتعاطفون مع لبنان، وارسلوا رئيس جامعتهم أحمد ابو الغيط، فبرز فيهم الدور المصري. خصوصاً ان القاهرة لا زالت تلعب دوراً ايجابياً بنّاءً تجاه بيروت وتعبّر في كل مرة عن حرصها على أمن واستقرار لبنان. بالطبع فإن جمهورية مصر العربية تخشى من أيّ دور تركي محتمل في ساحة لبنان، وهي ترصد المشروع التركي الذي ينافسها في ليبيا وفي غزّة، وبالتالي تدعم أي دور فرنسي يحدّ من طموح أنقره في لبنان وكل حوض شرق المتوسط.
وإذا كانت الصين إكتفت بدعم مالي رمزي، لأنها لم تلمس تجاوباً لبنانياً جدّياً سابقاً مع طروحاتها، ولأنها لا تريد الدخول بساحة لا مكان لها فيها، ولا نيّة ولا قرار في بكّين بشأنها، فإن الجمهورية الإسلامية الإيرانية هي لاعبة أساسية فيها من خلال حلفائها، ولا سيما "حزب الله"، الذي يحاول خصومه السياسيين في وحاضنتهم الدولية ممارسة الضغوط عليه لفرض تنازلات جوهرية. من هنا تُصبح زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف مهمة جدّاً، وتكسب دلالات ومعانٍ. لكن طهران التي تواصل معها ماكرون لتسهيل اخراج الحلول اللبنانية، ستترك القرار لحلفائها، وهي تنحاز لإيجاد مخارج تحفظ لبنان من أي انزلاق هو بالغنى عنه.
يعني كل ذلك أن العواصم الفاعلة تحث اللبنانيين على تأليف حكومة جامعة وسريعة والبدء بالإصلاحات الفورية. لكن ما هو موقف الدول الخليجية؟ توحي المملكة العربية السعودية أنها لن تتدخل لا سلباً ولا إيجاباً في شأن الحكومة اللبنانية العتيدة. عندما يسأل أحدهم أي مسؤول سعودي في هذه المرحلة: ما هو موقفكم؟ هل تدعمون تكليف رئيس الحكومة السابق سعد الحريري لتأليف حكومة جديدة؟ يأتي الجواب: لن نتدخل، وهو يعرف مصلحة بلده.
هناك من يقول إن السعودية لا تريد تبني عودته الى السلطة، كي لا يترتب على الخطوة دعماً مالياً وسياسياً لا تريد ان تقدّمه. لا زالت الرياض تهاجم "حزب الله" الذي سيكون جزءاً من تركيبة حكومة لبنان، وتشاكس حليفته إيران بسبب ملفات الاقليم، و خصوصاً حرب اليمن. يعني ان المملكة تريد تنازلات من المحور في تلك الساحة اليمنية، كي تسهّل الحلول في ساحات أخرى، ومنها لبنان. مما يؤكد الا وجود لموقف سعودي مباشر بشأن المستجدات المحلية، سوى ما تعبّر عنه الرياض من تمنيات طيّبة للشعب اللبناني.
وبما أن المملكة لا زالت تراوح بذات المكان بشأن لبنان، فإن ​الإمارات​ العربية تحذو حذوها. فماذا لو طلبت الولايات المتحدة الأميركية او فرنسا من دول الخليج تغيير النهج المعتمد الآن والإنفتاح بإتجاه دعم بيروت مجدداً؟.
لا تمون باريس على الخليجيين، فيما لا يبدو حتى الآن ان واشنطن سوف تطلب ذلك. الأميركيون مهتمّون بحساباتهم الانتخابية. أهم هدية قدّمتها الإمارات للبيت الأبيض هي الإعلان عن تطبيع العلاقات مع إسرائيل.
واذا كانت التفسيرات تعدّدت بشأنها، فإن أهم مؤشراتها هي ان أبوظبي أنزلت الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن شجرة صفقة القرن المجمّدة. يستطيع الآن ان يستثمر الخطوة ليقول في خطابه الإنتخابي للاميركيين: ها انا حققت سلاماً بين دولة عربية وإسرائيل. ها أنا فعلت ما عجز عنه الديمقراطيون، ومن كان قبلي منذ عهد الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون. لن يستطيع منافسه جو بايدن أن يشهّر به أمام شعبه نتيجة صفر إنجازات في الملف الخارجي بعد اليوم. واذا جرى التدقيق بأهم بند في المعاهدة التي سيجري توقيعها قبل انتخابات أميركية آتية، سنجد: تجميد خطوات الضم في الضفة الغربية. يعني تشريع تجميد صفقة القرن. هي خطوة انقاذية لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو الذي سيقول في تل أبيب انه استبدل الضم بسلام مع دول عربية. ربما تنضم المغرب بعد الإمارات.
لذا، فإن إهتمام الأميركيين في مكان آخر، في حال حققوا نجاحاً في ملف ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل. تشير المعطيات إلى ان خطوة الترسيم قيد الإنجاز ايضاً، بإنتظار ما ستحقّقه لقاءات ديفيد هيل في بيروت الآن.
كل ذلك، يعني ان الصراع قائم، لكن التسويات مطروحة أيضاً، ومنها ما ينتظر مشروع الإتفاق الإيراني-الأميركي. في حال فاز ترامب، سيُجري الإتفاق مع طهران خلال شهر، كما وعد. وفي حال فاز بايدن سيكون الإتفاق إستنساخاً للإتفاق النووي السابق. في الحالتين سيحصل الإتفاق. فلننتظر ماذا يمكن ان يحصل في مساحة التحضير للتسويات الكبرى.