في ظرف 72 ساعة فقط، تعرّض 5 ​لبنان​يين الى القتل العمد بإطلاق الرصاص المباشر، وما يزيد عنهم أصيبوا بجروح، الأمر الذي أعاد الى الأذهان كل الحديث عن ارتفاع معدلات الجريمة في لبنان عام 2020، فهذا العام الذي شهد كل أنواع الكوارث، يُريد أن يسجّل اسمه كأكثر الأعوام سوءا على اللبنانيين.

منذ فترة، ارتفعت معدّلات السرقة في لبنان نتيجة الوضع الإقتصادي الصعب، فشاهدنا سرقة الحفاضات و​الحليب​ من احدى ​الصيدليات​، ومشاهد أخرى لا تقل خطورة، وبحسب أرقام ​القوى الأمنية​ فقد زاد عدد عمليات السرقة بواسطة الكسر والخلع عن 890 عملية حتى تاريخ كتابة هذا المقال، بزيادة بلغت حوالي 240 حادثة سرقة عن العام الماضي بأكمله، كذلك تشير الأرقام الى ارتفاع كبير جدا في عدد عمليّات سرقة السيارات هذا العام نسبة للعام الماضي.
ولكن يبقى الأخطر ​جرائم القتل​ التي تحصل بشكل شبه يومي في كل المناطق اللبنانية، وآخرها ما حصل في لوبيا الجنوبية، و​الكورة​، و​جبل محسن​، فحتى شهر تموز من العام 2020 ارتفعت جرائم القتل بنسبة 83 بالمئة، مقارنة بالفترة نفسها من العام 2019، الأمر الذي سبق وحذرنا منه في ​مقالات​ سابقة، لأنّ المتابع للوضع النفسي للبنانيين يُدرك أن ​المستقبل​ القريب لن يكون على ما يرام.
تسبّبت أزمة الكورونا في ارتفاع عدد جرائم ​العنف​ المنزلي، وأدّت ​الأزمة​ الإقتصادية الى تضخّم عدد حوادث السرقة والنشل، وهذا أمر طبيعي في بلد يعاني من شحّ بالأموال، ومن ارتفاع نسب ​البطالة​ الى حدود قياسية، والى انخفاض القدرة الشرائيّة للمواطنين بشكل عنيف، ولكن لجرائم القتل أسباب أخرى، ابرزها بحسب الخبير في علم النفس محمد بدرا،إحساس المواطنين بالهامشيّة داخل مجتمعهم، الذي لم يعد يلبّي طموحات اللبنانيين، مشيرا الى أننا وصلنا الى مرحلة لم يعد يعيش فيها ​اللبنانيون​ حياة كريمة، للحصول على حقوقهم بالوسائل التقليدية، لذلك يتّجه بعضهم الى العنف للحصول عليها أو للتعبير عن المأزق النفسي، معتبرا أن "مفهوم ​الدولة​" اليوم سقط بنظر اللبنانيين.
ويضيف بدرا: "الدولة تتفكك، وكلما حصل هذا الأمر تفككت المكونات النفسية داخل ​الإنسان​، بمعنى أن تفكك مكونات الدولة القائمة على القانون والحقوق والعدالة والواجبات، يؤدي الى اختلال توازن الجهاز النفسي للإنسان المكون من "الأنا الأعلى" و"الأنا"، والـ"هو"، مشددا على أنه عندما يضعف "الأنا الأعلى"، التي هي الدولة، تضعف سلطة القانون، والخوف من العقاب، أو الملاحقة، أو تداعيات العنف، فيزداد ميول الشخص الى العنف للحصول على ما يعتبره كحقّ له.
وإذ يرى بدرا أن المواطن لم يعد يفرّق بين ​السجن​ الكبير والسجن الصغير، بعد أن أصبح الوطن سجنا كبيرا بالنسبة إليه، يشير الى أن لدى الناس ميولا لليأس، وشعورا بالإكتئاب جرّاء كل الحوادث المؤلمة التي نمرّ بها، الأمر الذي ينعكس على سلوكهم، فالمأزق النفسي اذا استمر لما يزيد عن 72 ساعة، يؤثّر على الأفكار والسلوك والمشاعر. ويضيف: "في العديد من المرات، عندما يكون الأب في الأسرة مالكا للمال و​العقارات​ والقوّة، يفرض سيطرته على الأبناء، وعندما يكبر ويتعب يشتعل الصراع بين أولاده للحصول على ​السلطة​، وكذلك في حالة الدولة والنظام، فعندما يطعن بالسن، ويتقهقر، تزداد الصراعات للحصول على السلطة وتقاسم النفوذ ويرتفع معدّل العنف".
لم نعد نحتاج الى وقت طويل ليتحول لبنان من بلد الى غابة لا يُمكن العيش فيها بسلام، فهل من يتحرّك لاستدراك ما تبقّى من أمل؟.