هبّة سُخنة... هبّة باردة! هذا القول الشائع ينطبق تمامًا على ملف تأليف الحُكومة برئاسة الدُكتور مُصطفى أديب، حيث ما ان يتحدّث مُتفائل عن قُرب تقديم التشكيلة ​الجديدة​ حتى يخرج من يقول إنّ الأمور عادت إلى نقطة الصفر، وما أن يتحدّث مُتشائم عن إنهيار المسعى الفرنسي ودُخول ​لبنان​ في المجهول حتى يخرج من يقول إنّ الحُكومة ستبصر النور لا محالة وإنّ العقبات ستُذلّل سريعًا، وهكذا دواليك... فما الذي يحدث فعلاً، وهل ستُولد هذه الحُكومة أم لا؟.

بالنسبة إلى ما تردّد عن تباين بالنسبة إلى حجم الحُكومة وعدد الأعضاء فيها، وعن تزكية لبعض الأسماء أو عن فيتوات على أسماء أخرى، فهذه عقبات قابلة للتذليل بقليل من الجُهد. حتى أنّ مسألة المُداورة، يُمكن أن تُحلّ في حال جرى تدوير الزوايا بالنسبة إلى إسم الشخصيّة التي ستتولّى حقيبة ​وزارة المال​، وفي حال حُصول تبادل مُتوازن على مُستوى باقي الوزارات المُصنّفة سياديّة وأساسيّة. لكن في حال العودة إلى مطلب تمثيل القوى السياسيّة–ولوّ بشكل غير مُباشر كما حصل في الحُكومة المُستقيلة برئاسة الدُكتور حسّان أديب، وإلى مطلب أن تختار الأحزاب الكُبرى في كل ​طائفة​ أسماء وزرائها، فعندها تكون الأمور قد عادت إلى نقطة الصفر بالتأكيد.
وبالتالي إنّ المُشكلة الفعليّة هي في مكان آخر، وتُختصر بإذا ما كانت القوى السياسيّة الأساسيّة في لبنان ستوافق على الدُخول في الحلّ الفرنسي–الدَولي، أم ستُعارضه، وهذا الحلّ يقضي بتشكيل حُكومة غير سياسيّة مُهمّتها الرئيسة إطلاق مشاريع الإصلاح، تمهيدًا لقيام المُجتمع الدَولي بمد يد المُساعدة الماليّة للبنان، مع تسجيل مُحاولات واضحة من قبل الولايات المُتحدة الأميركيّة لإبعاد "​حزب الله​" بشكل خاص عن هذه الحُكومة، لغايات مُرتبطة بالصراع القائم في المنطقة ككلّ.
وكما هو مَعروف، في حال قام رئيس الحُكومة المُكلّف مُصطفى أديب برفع تشكيلة وزاريّة غير مُنسّقة مع القوى السياسيّة الأساسيّة، سيكون عليها تجاوز محطّتين مُهمّتين، الأولى توقيع رئيس الجمهوريّة العماد ​ميشال عون​ على مرسوم تشكيلها، والثانية نيل الثقة في ​المجلس النيابي​. وعلى الرغم من أنّ ساعات قليلة تفصلنا عن إنتهاء المُهلة الزمنيّة التي كان الرئيس الفرنسي ​إيمانويل ماكرون​ قد منحها للأطراف اللبنانيّة لتشكيل حُكومة جديدة، فإنّ الأمور لا تزال غامضة بالنسبة إلى الخيارات التي سيعتمدها كل طرف.
وفي هذا السياق، وبين أن يُقدّم رئيس الحُكومة المُكلف تشكيلة لا تحظى بالثقة المُسبقة، وأن يعتذر عن مُهمّة التكليف برمّتها، فضّل الذهاب إلى خيار ثالث يقضي بالتريّث قليلاً، في إنتظار أن تُوضح صُورة الإتصالات الحاليّة، وأن يُوضح الموقف الفرنسي ومن خلفه الموقف الدَولي ككل.
ولأنّ رئيس الجمهوريّة سيكون بدوره أمام خيارين صعبين، في حال تلقى حُكومة جاهزة من الدُكتور أديب، الأوّل بأن يرفضها لأنّها تفتقر إلى الحدّ الأدنى من الإجماع اللبناني، والثاني بأن يوقّع مراسيم تشكيلها ويُحيلها مع "كرة النار" إلى المجلس النيابي، فضّل من جهته الذهاب إلى خيار ثالث، يقضي بإجراء المزيد من المُشاورات، علّه يُقرّب الآراء بعضها من بعض، مع التذكير أنّه في حال توقيعه مرسوم التشكيل، تُصبح هذه الحُكومة قائمة بمهام تصريف الأعمال–بدلاً من ​الحكومة​ الحاليّة المُستقيلة، وذلك في حال عدم نيلها الثقة في المجلس النيابي.
على خطّ مُواز، يبدو "تيّار المُستقبل" الذي يتّهمه خُصومه بالوقوف خلف كواليس مُحاولات تشكيل الحُكومة، جاهزًا لمنح الثقة لحكومة أديب في حال سُمح لهذا الأخير بتأليفها من دون حُضور سياسي، وكذلك الأمر بالنسبة إلى حزبي "الإشتراكي" والقوّات"، علمًا أنّ هذه الأخيرة لم تمنح رئيس الحكومة المُكلف أصوات كتلتها، لكنّها ستتعامل مع حُكومته وفق تركيبتها، وستمنحها الثقة النيابيّة في حال كانت حياديّة. حتى أنّ "التيّار الوطني الحُرّ" يبدو أقرب إلى منح الثقة للحُكومة من حجبها، حتى لو لم تكن بحجم طُموحاته، لأنّه يريد عدم تفويت فرصة الدعم الدَولي للبنان، والذي تملك ​فرنسا​ مفتاحه في المرحلة الراهنة. ومع إستقالة "​الكتائب​" وبعض النوّاب المُستقلّين، وعدم تأثير بعض الكتل الصغيرة والنوّاب المُستقلّين الآخرين، الكلمة الفصل لأي حُكومة أمر واقع، هي بيد "​الثنائي الشيعي​" الذي يملك أكثر من ورقة بيده. وليس بسرّ أنّ مُعارضة هذا الثنائي هي التي أخرّت ​تشكيل الحكومة​ حتى اليوم، علمًا أنّ مطالب "حزب الله" و"​حركة أمل​" لا تقتصر على نيل الطائفة الشيعيّة وزارة المال، بل تشمل تسمية الوزراء ​الشيعة​ من قبلهما أيضًا، علمًا أنّ بعض المُحلّلين يتحدّث عن إشتراط الثنائي أيضًا من خلف الستار، الإحتفاظ مع قوى حليفة له بالثلث المُعطّل أو الضامن داخل الحُكومة المُقبلة.
وأمام هذه الوقائع، لا يبدو أنّ الحل-كما أرادته فرنسا، سيمرّ بالتوافق أو بشكل سلس في المدى المنظور. وبالتالي، إمّا أن يتنحّى رئيس الحكومة المُكلّف، وإما أن يمضي إلى خيار طرح حُكومة الأمر الواقع، في حال مضت ​الساعات​ والأيّام القليلة المُقبلة من دون ​تحقيق​ أيّ خرق. وعندها تنتقل الكرة إلى ملعب رئيس الجمهوريّة، فإمّا لا يُوقّع المرسوم ونعود إلى نقطة البداية، وإمّا يحيل المسألة إلى يدي المجلس النيابي. وفي هذه الحال، بإمكان "الثنائي الشيعي" السماح بتمرير الحكومة مع تسجيل مُقاطعة شكليّة لها في المجلس، أو عرقلة نيلها الثقة عمليًا عبر عدم دعوة رئيس ​مجلس النواب​ ​نبيه برّي​ إلى جلسة للثقة، بحجّة إفتقار الحكومة إلى الميثاقيّة، أو عبر مُقاطعة النوّاب الشيعة كافة لهذه الجلسة، للوُصول إلى النتيجة عينها.
في الختام، الساعات المُقبلة حاسمة لتحديد الخيارات التي سيعتمدها كل فريق، والأكيد أنّ أيّ حكومة غير مثاليّة لكن قادرة على تأمين مُساعدات الخارج وعلى رفع الحصار عن لبنان، أفضل بكثير من عدم تشكيل حُكومة والدوران في حلقة مُفرغة في ظلّ الإنهيار الحاصل، لأنّ وتيرة تصاعد هذا الإنهيار ستُحلّق سريعًا في حال تفويت فرصة الإنقاذ السانحة حاليًا.