«تلبنَنت» المبادرة الفرنسية مع تسرّب تعقيدات الواقع الداخلي الى عروقها، وتحولها مادة للتأويل او الاستثمار.. فماذا حصل؟ ولماذا مرت مهلة الـ15 يوماً من دون أن تولد ​الحكومة​؟

تحاول شخصية سياسية تقف على مسافة واحدة من القوى الداخلية ان توزّع بعدالة المسؤوليات عن تعثّر المبادرة الفرنسية والتأخير في ​تشكيل الحكومة​، فتقول انّ الرئيس المكلف ​مصطفى أديب​ أخطأ عندما حاول أن يحتكر وضع التشكيلة الوزارية، بما يمثّله من امتدادات الى ​بيت الوسط​ ونادي رؤساء الحكومات السابقين، من دون الأخذ بالحسبان لا موقع ​رئيس الجمهورية​ الذي هو شريك حتمي بحكم التوقيع الالزامي، ولا دور المكونات الأخرى التي من دونها لا تنال الحكومة الثقة.


والخطورة في تصرّف أديب، تِبعاً للشخصية، انه كاد ان يكرر ما كان يفعله رئيس الجمهورية قبل ​اتفاق الطائف​، لناحية التفرد مع حاضنته السياسية في اختيار الوزراء وتشكيل الحكومة، «علماً انّ هذه الصلاحيات «الملكية» هي التي أفضَت في نهاية المطاف إلى اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، من دون إغفال العوامل الأخرى ايضاً. ولم تضع الحرب أوزارها الّا بعد توقيع اتفاق الطائف الذي نقل الكثير من صلاحيات رئيس الجمهورية الى ​مجلس الوزراء​ مجتمعاً، وليس الى رئيس الحكومة حصراً. وبالتالي، فإنّ محاولة أي رئيس مكلف لتأدية دور الرئيس الماروني في الجمهورية الأولى ينبغي تفاديها، ذلك انّ هذا السلوك محفوف بالمخاطر وينطوي على مغامرة كبيرة، من شأنها ان تهدّد بتحريك جَمر الهواجس واستعادة التاريخ بكلفة عالية».




الخطأ الثاني الذي وقع فيه أديب، وفق تقديرات الشخصية المنفتحة على الجميع، هو انه أهمل طويلاً مبدأ التشاور مع الآخرين، وأقله مع ​الثنائي الشيعي​ المعترض على سحب حقيبة المالية منه وفرض الوزراء ​الشيعة​ عليه، ما دفعَ عون الى ان يعوّض هذا النقص من خلال مشاورات جانبية أجراها في ​قصر بعبدا​، قبل ان يستدرك أديب الوضع ويلتقي أمس الخليلين، «مع الاشارة الى انّ الحوار هو من ركائز تنظيم التنوع في «مشروع دولة» ك​لبنان​، فكيف اذا كان الأمر يتعلق بتكوين مجلس الوزراء الذي أصبح مركز القرار و​السلطة​ بموجب الجمهورية الثانية».


لقد كان يتوجّب على أديب، في رأي الشخصية إيّاها، أن يتواصل خلال مهلة الـ15 يوماً مع القوى الاساسية، لأنّ البعد جفاء، لعله يتمكن من تدوير الزوايا وتفكيك العقد التي تعترض ولادة حكومته، خصوصاً انّ «الثنائي» أبدى استعداداً للمعالجات، الاّ انه كان يشكو من غياب التشاور معه».


َامّا مقولة انّ أديب يريد تشكيل حكومة اختصاصيين مستقلة عن السياسيين، ولهذا السبب حاول أن يحوك بنفسه خيوط فريق وزاري منسجم ورفض الدخول في بازارات التفاوض مع القوى الداخلية، فإنّ الشخصية تلفت الى انّ هذه المقاربة ليست دقيقة، «إذ انّ أديب نفسه ليس مستقلاً مئة بالمئة بعدما تمّ اقتراح اسمه من قبل نادي رؤساء الحكومات السابقين، وفي طليعتهم رئيس ​تيار المستقبل​ ​سعد الحريري​، إضافة إلى أنه شغل في السابق مركز مدير مكتب الرئيس ​نجيب ميقاتي​. ثم عندما باشَر في مسعى تشكيل الحكومة من طرف واحد، تدخل عرّابو اسمه في اقتراح الوزراء وفق معاييرهم وحساباتهم، بحيث بَدا تأثير نادي رؤساء الحكومات السابقين واضحاً على الرئيس المكلف، في مقابل تغييب الآخرين ومحاولة فرض تشكيلة معلّبة عليهم تحت طائلة تحميلهم تبعات إخفاق المبادرة الفرنسية».


الجانب الآخر


امّا بالنسبة إلى مسؤوليات الجانب الآخر، فإنّ الشخصية التي تفضّل تصنيفها في موقع «فاعل الخير»، تعتبر انّ الثنائي الشيعي يجب أن يتصرّف بواقعية وبراغماتية، وانّ عليه أكثر من غيره تسهيل المبادرة الفرنسية حتى لا يخسر دولة أوروبية وازنة بحجم ​فرنسا​ من أجل مطلب وزاري، مهما كان مهماً وحيوياً.


وتشير الشخصية الى انه يمكن تَفهّم دوافع الثنائي للتصلّب في موقفه، خصوصاً بعد الدفعة ​الجديدة​ من ​العقوبات الأميركية​ التي شكلت هذه المرة تحدّياً للرئيس ​نبيه بري​ تحديداً، «لكن إحدى الوسائل لمواجهة الضغط الأميركي تكمن في استمالة ​باريس​ وتعزيز الثقة بينها وبين «الثنائي»، وليس في تعقيد مهمتها وإخلاء الساحة أمام الأميركيين».




وتلفت تلك الشخصية انّ فرنسا هي ​الدولة​ الغربية الوحيدة التي لا تزال تتواصل مع «حزب الله» وتعترف بدوره السياسي «وليس أمراً بسيطاً ان يجلس الرئيس مانويل ​ماكرون​ مع رئيس ​كتلة الوفاء للمقاومة​ النائب ​محمد رعد​، وان يطلق مواقف واقعية تتجنّب إقصاء الحزب وعزله وصولاً الى سحب مسألة ​السلاح​ ومطلب ​الانتخابات النيابية​ المبكرة من التداول وانتهاء بتفهّم إصرار الثنائي على التمسّك بـ»المالية»، في وقت كانت الضغوط والعقوبات الأميركية على «حزب الله» وحلفائه تتصاعد».


صحيح انّ المبادرة الفرنسية وانفتاح ماكرون على «حزب الله» يندرجان في إطار حسابات باريس المتعلقة بنفوذها في لبنان والمنطقة، الّا انّ ذلك لا يمنع، وفق استنتاجات الشخصية، انّ «هناك تقاطعاً في المصالح يمكن توظيفه لتخفيف الحصار الدولي عن الحزب ولبنان من خلال النافذة الفرنسية على العالم».


وتشير هذه الشخصية الى انّ الحكومة المقبلة ستنفّذ «أمر مهمة» محدداً ولن تستمر طويلاً على الارجح، «ولا بأس في أن يُبدي «الثنائي» مرونة في مقاربة مسألة التشكيل لعبور هذه المرحلة بأفضل الشروط الممكنة، ناصحة إيّاه بأن «يبيع» هذه المرونة المفترضة للفرنسيين، وان يكسبهم أكثر فأكثر الى جانبه، بدل أن تحاول ​واشنطن​ الاستفراد به وبلبنان بعدما تكون باريس قد أطفأت محركات مبادرتها.


وتدعو الشخصية الحيادية جميع الأطراف الى ملاقاة المبادرة الفرنسية، على قاعدة تبادل التنازلات، قبل فوات الأوان والانغماس في نفق المجهول.