تكاد المبادرة الفرنسيّة "المترنّحة" تصبح من الماضي، ولو تناوب جميع المعنيّين بها على الجزم ليلاً نهاراً بأنّها مستمرّة، وبأنّهم يسعون لإنجاحها، وبأنّهم يبذلون كلّ الجهود في سبيل تحقيق هذا الهدف السامي الذي أصبح "تعجيزيّاً" على ما يبدو.

قد يكون كلام الرئيس الفرنسي ​إيمانويل ماكرون​ العالي السقف، والردود التي أعقبته، والتي مزجت بين "احترام" شخصه و"رفض" لهجته "الاستعلائيّة" كافياً للدلالة على ذلك، معطوفاً على المهلة الممدَّدة وفق معادلة "ما يتمناه السياسيون".
"انكفأ" ماكرون، بعدما فشلت مبادرته، فانشغل اللبنانيون بتحليل أسباب "الفشل"، وتقاذف كرة المسؤولية فيما بينهم، قبل أن "يتوافقوا" على الأرجح، وعلى جري العادة، على رميها على عاتق الخارج، الذي وتّر الأجواء هنا، وعطّل المبادرات هناك.
لكن، في الوقت "المُستقطَع"، لا مبادرات جديدة توضع على "النار" ولا من يحزنون، بل "تفاخر" بأنّ المفاوضات مجمَّدة حتى إشعارٍ آخر، قد يتخطى الانتخابات الرئاسية الأميركية التي أضحى انتظار نتائجها لتشكيل حكومة، "تحصيلاً حاصلاً" لا يتطلّب تبريراً!.

الكرة "تتطاير"!

بعد أيام على "اعتذار" السفير ​مصطفى أديب​ عن إنجاز المهمّة التي ألقيت على عاتقه لتأليف الحكومة، بموجب المبادرة الفرنسيّة، لم يبدأ أحد في لبنان، بصورةٍ عمليّةٍ، البحث في الخطوة "التالية"، لأنّ "الأولوية" تقتضي ربما، في قاموس الساسة اللبنانيين، "تقاذف" كرة المسؤولية، لا محاولة "تعويض ما فات"، وتدارك الأسوأ الآتي الذي لا ينفّك القادة أنفسهم من "التبشير" به، بمناسبةٍ ومن دونها.
لم يدعُ رئيس الجمهورية ​ميشال عون​ إلى استشاراتٍ نيابيّةٍ جديدة لتكليف رئيس حكومة جديد "يخلف" أديب في مهمّته، وهو لا ينطلق في ذلك من "الاجتهاد" القائم على "السلة الكاملة" فحسب، تسهيلاً لمهمّة من سيتمّ تكليفه، وتفادياً لتضييع الوقت، ولكن قبل ذلك من "تجربة" أديب نفسه، الذي لم تنفع المبادرة الفرنسية نفسها في "تحصين" مهمّته، واضطر إلى "الاعتذار" في النهاية، بسبب عدم "الاتفاق المُسبَق" على التفاصيل.
قد لا يُلام رئيس الجمهورية على ذلك، بمُعزَلٍ عن "نزاع الصلاحيّات" الذي لن يتأخّر المعنيّون في فتحه، لكنّ المفارقة أنّ عدم الدعوة إلى الاستشارات لم يترافق مع بحثٍ جدّي بالبدائل، فالبلاد كانت على موعد على امتداد اليومين الماضيين مع تصريحات وتصريحات مضادّة، محورها "من أفشل المبادرة الفرنسية"، لا "كيف يمكن إعادة إحياء وإنعاش المبادرة"، ولا "ما هي البدائل الممكنة وكيف يمكن تفعيلها فوراً ودون إبطاء".
"الثنائي الشيعي" مثلاً، الذي وجد أنّ "الاتهامات" تنهال عليه من كلّ حدْبٍ وصوب، بعدما تعامل مع تأليف الحكومة، كما كان يفعل منذ أكثر من عقد، واستخفّ بتلويح أديب بالاعتذار بوصفه "تهويلاً"، انشغل بإعلان رفض "الوصاية الفرنسية"، ورمي الكرة في ملعب رؤساء الحكومات السابقين، الذين استنفروا من جهتهم، للدفاع عن الدور الذي لعبوه، فيما كان كلّ همّ "​التيار الوطني الحر​" في المقابل، رفض "تعميم" الرئيس الفرنسي لاتهاماته على الجميع، تحت عنوان أنّ مثل هذا الأمر "ما بيقطع".

أيّ "سيناريوهات"؟!

قد يكون ما سبق من "عُدّة" ملء الوقت "الضائع" ببعض "المهاترات" التي يُدرك أصحابها سلفاً أنّها لا تغني ولا تسمن من جوع، لكنّها ضرورية حتى لا يشعر المتابع أنّهم تركوا الساحة لـ"الفراغ"، أو أنّهم "أذعنوا" مثلاً، وقبلوا بتحمّل المسؤولية التي ألقاها على عاتقهم الرئيس الفرنسيّ في خطابه الهجوميّ الأخير.
لكن، ماذا بعد "تطاير" كرة المسؤولية بالشكل الذي شهد عليه اللبنانيون على مدى اليومين الماضيين؟ هل من "سيناريوهاتٍ" جدّية بدأت تُدرَس لمرحلة ما بعد المبادرة الفرنسية، أم أنّ "الانتظار الثقيل" سيكون سيّد الموقف، رغم كلّ تبعاته "الثقيلة" أيضاً؟!.
الأرجح أنّ "توافقاً" على هذا "الانتظار" بات قيد التنفيذ، لا الإبرام فحسب، بعدما جاء تمديد الرئيس الفرنسي لمهلة تشكيل الحكومة إلى ستّة أسابيع كاملة بمثابة "هدية من ذهب" للطبقة السياسية اللبنانية، التي تزال تصرّ على "رهن" استحقاقٍ يفترض أن يكون بديهياً وتلقائياً، كتشكيل الحكومة، بأهمّ استحقاقات العالم، أي الانتخابات الرئاسية الأميركية، وكأنّ فوز الرئيس ​دونالد ترامب​ بولاية جديدة، أو "إقصاءه" من قبل منافسه الديمقراطي جو بايدن، من شأنه "تغيير" قواعد اللعبة الداخلية.
وإذا كان هذا الانتظار يتحوّل إلى "مقامرة" بحياة اللبنانيين المهدَّدة مع كل دقيقة تأخير في ضوء الأزمات المتفاقمة، والمرشحة للتحول إلى "جحيم" في المدى المنظور، مع "تسارع" انهيار العملة وصولاً إلى رفع الدعم عن المواد الأساسيّة وغيرها، فإنّ سيناريو "تعويم" حكومة حسّان دياب الذي بدأت بعض الأوساط بدرسه، لا يبدو محلّ "إجماع" حتى داخل قوى الأكثرية النيابية، التي كان بعض أركانها أصلاً خلف "تطيير" دياب وحكومته بالضربة القاضية.
ويقول العارفون في هذا السياق، إنّ قوى الأكثرية تماماً كما أنّها مدركة أنّ "إنتاج" حكومة جديدة تشبه حكومة دياب، لن يكون حلاً، بل إنه سيسرّع "الخراب"، فهي تعرف أيضاً أنّ "تعويم" الحكومة لن يكون أفضل حالاً، هي التي كانت تعاني من "الحصار" يوم كانت محصَّنة بالشرعيّة الكاملة، فكيف بالحريّ اليوم، بعدما افتقدت كلّ "المقوّمات" المطلوبة في الداخل والخارج، حتى أنّ ثمّة داخل قوى الأكثرية من "يجاهر" بأنّ "الفراغ" قد يكون أفضل من هذا الطرح!.

"جرّب المجرّب"!

في الردود على الرئيس الفرنسيّ، ثمّة من قال إنّ "فشل" المبادرة الفرنسية كان طبيعياً، بعدما اشتمّت قوى الأكثرية "محاولة انقلابٍ" عليها وعلى نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة، من خلال تسمية الوزراء بالنيابة والوكالة عنها.
سأل البعض، رداً على هذه المقولة، عمّا إذا كانت الأكثرية بحدّ ذاتها لا تزال "موحَّدة"، وهي "المنقسمة" بين من يريد "الخضوع" للفرنسيّ والأميركيّ كيفما كان، ومن يريد "التحدّي"، ومن يسعى لـ"تعويم" الحكومة السابقة، ومن لا يريد سماع اسم رئيسها مجدّداً.
لكنّ البعض الآخر قفز فوق هذا "الانقسام"، ليسأل عمّا يمنع هذه الأكثرية من ترجمة "انتفاضتها" هذه عبر استلام "زمام المبادرة"، بدل الاكتفاء بـ"التفرّج"، وفرض الشروط من هنا وهناك، بعيداً عن بدعة "الخصوصية اللبنانية" التدميرية والإقصائيّة.
لا تُحسَد الأكثرية على موقفها ربما، فهي "جرّبت" ممارسة دورها هذا بحكومة دياب، فنالت "نصيبها"، ولذلك ترفض إعادة "الكرّة"، حتى لو كانت النتيجة ترك البلاد "رهينة" بانتظار العودة إلى كتاب "المحاصصة"، وهو "المجرَّب" أيضاً!.