من المُتوقّع أن تبدأ الأسبوع المقبل، وتحديدًا في 14 تشرين الأول الحالي، المُفاوضات الرسميّة الخاصة ب​ترسيم الحدود​ ​الجنوب​يّة، وسيتمثّل ​لبنان​ بوفد عسكري-تقني، علمًا أنّ مُمثّلين عن الأمم المتحدة سيُديرون هذه المفاوضات مع ​إسرائيل​، على أن يحضر الجلسة الأولى مُمثلون عن الإدارة الأميركيّة أيضًا. وقبيل إنطلاق هذه المفاوضات، كثرت التحاليل والتكهّنات بخُصوصها، وتمّ إستغلال الموضوع وتوظيفه في خلافات سياسيّة قديمة بين جهات لبنانيّة مُختلفة، على غرار ما يحدث في أيّ ملف! فما هي المَعلومات والوقائع المُتوفّرة عن هذا الملفّ حتى تاريخه؟.

أوّلاً: الإتفاق الذي حصل برعاية أميركيّة، هو إتفاق إطار فحسب، أي أنّه توافق على الشكل العام للمُفاوضات. وبالتالي، إنّ مسار التوافق على المضمون طويل وقد يكون طويلًا جدًا، علمًا أنّ أكثر التقديرات تفاؤلاً تتحدث عن فترة زمنيّة تتراوح ما بين ستة أشهر وسنة لإنجاز الترسيم، ولا شيء يمنع أن تطول هذه الفترة أكثر، في حال بروز أي عقبات جديدة، أو في حال تشبّث الأطراف المعنيّة بمواقفهمبالنسبة إلى الخلافات الموجودة. إشارة إلى أنّ الخلافات الحدوديّة البريّة بالنسبة إلى الخطّ الأزرق محصورة في 13 موقعًا، وهي تؤثّر على ترسيم الحدود البحريّة التي تنطلق بدورها من الخط البرّي لتحديد ​المياه​ الإقليميّة لأيّ دولة. لكنّ المُشكلة الأكبر تكمن في مزارع شبعا وتلال ​كفرشوبا​ حيث تتداخل الحدود بين كل من ​سوريا​ ولبنان وإسرائيل، وتسويتها مُرتبط بالقرارين الدوليّين 242 و338. وبالتالي إنّ سوريا ستكون معنيّة بهذا الملفّ، في حال أصرّ لبنان على ربط الترسيم البرّي بالترسيم البحري، وفي حال رفض فصل ملف فصل مزارع شبعا عن الترسيم البرّي، علمًا أنّ هناك إتجاهًا لتأجيل هذا الخلاف كونه مُتشعّب جدًا. كما أنّ إسرائيل ترفض التخلّي عن إحتلالها لهذه المنطقة.
ثانيًا: إطلاق مسار ترسيم الحدود لا يعني إطلاق مسار التطبيع مع إسرائيل، لأنّ المَوضوعين مُنفصلان تمامًا، لكنّ ترسيم الحدود هو إعتراف ضُمني بحدود الطرف الاخر، ولو بشكل غير رسمي ولا مباشر، ومن شأن نجاح هذه المُفاوضات أن يُقلّل من الإحتكاكات والخروقات البريّة والبحريّة التي كانت تحدث في السابق. والأهم أنّ نجاح هذه المُفاوضات سيفتح الباب أمام إمكان إستخراج ​النفط والغاز​ من البلوكات التي كانت مُصنّفة غير آمنة حتى الأمس القريب.
ثالثًا: ليس صحيحًا أنّ "​حزب الله​" صامت ومُحرج من الموضوع، حيث يُنتظر أن يُحدّد أمين عام "الحزب" ​السيد حسن نصر الله​ اليوم موقفه من الأمر، وأن يُشدّد على كونه تقني محض، ولا يُسقط حق المقاومة على الإطلاق، خاصة وأنّ المناطق المحتلة من قبل إسرائيل موجودة، و​السلاح​ هو أصلاً للدفاع عن لبنان بحسب تفسير "حزب الله" ولا علاقة له بملفّ الترسيم أو غيره.
رابعًا: ذهبت بعض الجهات اللبنانيّة بعيدًا بالحديث عن جدوى بقاء سلاح "حزب الله" بعد ترسيم الحدود، علمًا أنّه لا يعني إستعادتها، وفي حال النجاح بإستعادة بعض المناطق الخلافيّة الصغيرة الحجم على طول "​الخط الأزرق​" مثلاً، فإنّ إستعادة المناطق المُحتلّة في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا يتطلّب الكثير من الوقت، والكثير من الجُهود، والكثير من الضُغوط، ما يعني أنّ موضوع حصر السلاح بيد القوى الشرعيّة هو بحكم المؤجّل في المرحلة الراهنة.
خامسًا: في حين أنّ ملف ترسيم الحدود مع اسرائيل سلك طريقه نحو التنفيذ، فإنّ ترسيم الحدود مع سوريا لا يزال بحكم المؤجّل، بسبب تهرّب النظام السُوري من الموضوع في أكثر من مناسبة في السابق، حيث بقيت اللجنة المُشتركة التي جرى التوافق على تشكيلها لحلّ هذه المسألة حبرًا على ورق، علمًا أنّ حدود لبنان مع سوريا تمتدّ على مسافة 357 كيلومترًا،وترسيمها ضروري لحفظ حُقوق لبنان وللمُساعدة في وقف التهريب البرّي. إشارة إلى أنّ سوريا التي رسمت حدودها مع ​الأردن​ في الماضي القريب، تعمل على أن يبدأ الترسيم مع لبنان من الحدود الشمالية، على أن يتم الإتجاه نحو ​البقاع​ ومن ثم نحو الجنوب، لكسب مزيد من الوقت، ولتبقي بالتالي على مزارع شبعا ورقة تفاوض في جيبها مع العالم الغربي.
في الخلاصة، قد يكون توقيت البدء بالمُفاوضات في الظروف الحاليّة التي يمرّ فيها لبنان، مُحفّزًا لإطلاق العنان لخيال التكهّنات والتحليلات، لكنّ العبرة تكمن في النتائج التي سيتمّ التوصّل إليها في نهاية المطاف، وهذا الأمر لن يظهر في القريب العاجل، بل سيأخذ الكثير من الوقت. وفي غُضون ذلك، سيشهد لبنان والإقليم والعالم ككل جملة من التطوّرات المؤثّرة التي لا بُد وأن تترك آثارها على تطوّر هذه المفاوضات غير المَفصولة عن الضُغوط الخارجيّة وعن صراعات المحاور.