منذ إعلان رئيس الحكومة السابق ​سعد الحريري​ عن رغبته في العودة ل​رئاسة الحكومة​، عاد إلى الأذهان المشهد الذي تلا إستقالته، منذ نحو عام تقريباً، على خلفيّة ​الاحتجاجات​ الشعبيّة التي انطلقت في السابع عشر من تشرين الأول الماضي، نظراً إلى أن الحريري طرح حينها العودة إلى السراي، برئاسة حكومة تتألف من اخصائيين.

بعد اشهر من الأخذ والردّ، تخللها إحراق أسماء مجموعة من المرشحين لهذا المنصب، من ​محمد الصفدي​ إلى ​بهيج طبارة​ وصولاً إلى ​سمير الخطيب​، فشلت الإتصالات التي كانت قائمة للإتفاق على تسميته شخصية بديلة، نظراً إلى أن قوى الأكثرية النيابية لم توافق على تشكيل حكومة اخصائيين برئاسته، على إعتبار أن هذا المعيار لا ينطبق عليه بأي شكل من الأشكال، الأمر الذي قاد إلى تسمية رئيس حكومة ​تصريف الأعمال​ الحالية ​حسان دياب​.
في الوقت الراهن، المشهد في ​لبنان​ هو نفسه مع فارق بسيط، يتمثل بالجهود التي يقوم بها الحريري لدعم مبادرته، عبر الإتصالات والمشاورات التي يقوم بها مع مختلف ​الكتل النيابية​، لتكون البلاد أمام واحد من مشهدين: الأول هو تنازل قوى الأكثرية النيابية، وبالتالي موافقته على تشكيل حكومة اخصائيين برئاسة الحريري، أو تنازل الأخير عن هذا الشرط والذهاب إلى صيغة التكنو-سياسية.
وفي حين لا يمكن إستبعاد فشل هذه المبادرة في الأيام المقبلة، وبالتالي الذهاب إلى مرحلة طويلة من تصريف الأعمال، نظراً إلى أن خيار الذهاب إلى صيغة اللون الواحد لا يزال مستبعداً من قبل قوى الأكثرية النيابية، من الضروري السؤال عن الأسباب التي حالت دون ترجيح خيار التوافق طوال الأشهر الماضية، بغض النظر عن الجهة التي ستذهب إلى تقديم التنازل، في حال حصول ذلك، الأمر الذي كان من الممكن أن يقود إلى منع تدهور الأوضاع بالشكل الذي حصل فيه، أو على الأقل الحد من سرعته أو تداعياته.
ما تقدم، بغض النظر عن جدوى خيار العودة إلى الحريري لرئاسة الحكومة، يحيل إلى معادلة أن القوى السياسية أضاعت على لبنان واللبنانيين سنة كاملة من دون أي إحراز تقدم ولو بسيط، في حين كان من الممكن لهذه ​السنة​ أن تصبح مرحلة إنتقالية للبناء نحو مستقبل أفضل، خصوصاً أن عامل الوقت يكتسب أهمية يوماً بعد آخر، لأن ما كان لدى البلاد من قدرات، قبل نحو عام، مختلف عما لديها اليوم، على الأقل من الناحية المالية والإقتصادية.
من حيث المبدأ، هذه ليست المرة الأولى التي تثبت القوى السياسية نفسها أنها تحترف عمليّة إضاعة الوقت، فهي قامت بذلك في العديد من المناسبات الماضية، لكن الثمن الكبير لذلك يشعر به كل مواطن بشكل شبه يومي، لا سيما على مستوى تراجع قدرته الشرائيّة، الأمر الذي دفعه إلى التخلّي عن الكثير من الأمور التي كانت أساسيّة في حياته، وبالتالي تراجع مستوى حياته على نحو كبير، من دون أن تتحمّل أيّ جهة المسؤوليّة عن ذلك.
في المحصّلة، يهوى "الزعماء" ​اللبنانيون​، منذ سنوات طويلة، الحديث عن العودة دائماً إلى معادلة: "لا غالب ولا مغلوب"، واليوم قد تكون هي المخرج الذي سيتوصّلون إليه في نهاية المطاف، لكن الكارثة تكمن في إحتمال إضاعة المزيد من الوقت، نتيجة عدم توافقهم على أيّ خيار، تنازل الحريري أو تنازل قوى الأكثرية، قبل موعد الإستشارات النيابيّة الملزمة الخميس المقبل، بسبب رهانهم على إنتظار متغيرات، إقليمية أو دولية، تقود إلى تحسين شروطهم.