أَثبتت الدّراسات أَنّ سدّ بسري، الّذي كان يُفترض المضيّ به وصولًا إِلى الخواتيم السّعيدة، وبالتّالي الإِسهام في الحاجة اللُّبنانيّة إِلى مُواجهة الشّحّ في المياه -وقد أُجهض المشروع لغاياتٍ سياسيّةٍ تدخل في إِطار الكيديّة المُمارسة على شكلٍ واسع منذ العام 2005- لا يُؤثّر على التّنوُّع البيولوجيّ الغنيّ في المنطقة. فالحفاظ على هذا التّنوُّع كان مِن أَهمّ أَولويّات مشروع سدّ بسري مُنذُ إِطلاقه، وقد وضعت خطّةُ عملٍ مُفصلةٌ في هذا الشّأن، تستند إِلى مسحٍ للتّنوُّع البيولوجيّ، يشمُل كُلّ الأَصناف الرّئيسيّة، بما فيها البرمائيّات والزّواحف واللافقريّات الكبيرة، فضلًا عن معلوماتٍ عن الموقع، واستخدام الموئل للنّباتات والثّديّيات والطّيور والأَسماك. كما وتمّ لاحقًا تحديث هذا المسح، ضمن خطّة تعويضٍ إِيكولوجيّ شاملةٍ.

وكان الهدف من هذه الخطّة، التّعويض الكامل عن تأثير السّدّ على التّنوّع البيولوجيّ، مِن خلال نقل بعض الأَنواع، والمُحافظة على الموائل الطّبيعية القائمة أَو تعزيزها، واستعادة المحاجر المهجورة وتحريجها، أَو اللُّجوء إِلى إِعادة التّحريج. كما وصُمّمت هذه الأَنشطة بحيث يُحقّق التّنوّع البيولوجيّ النّاجم عن سدّ بسري الّذي لم يُبصر النّور، "مكاسب صافيةً" أَو في الحدّ الأَدنى، لا يتسبب بـ"أَيّ خسارةٍ". وقد أُعدّت خطّة التّعويض الإِيكولوجيّ هذه، تحت إِشراف وزارتي ​البيئة​ والزّراعة في لُبنان، بعد مُشاوراتٍ حثيثةٍ مع مُختلف أَصحاب الشّأن، بما في ذلك المُؤَسّسات الحُكوميّة والبلديّات والمرجعيّات الدّينيّة والمُنظّمات غير الحُكُومية والاستشاريّة ومعاهد البُحُوث...
وفي مجالٍ آخر، عُني البنك الدّولي، وهو الجهة الرّئيسيّة المُموِّلة لسدّ بسري، وبالنّظر إلى علمه بمدى قيمة الثّروة الثّقافية والأَثريّة في ​لبنان​، بدعم ​وزارة​ الثّقافة، لضمان الحفاظ على المواقع الثّقافيّة والأَثريّة بالكامل. وكانت ​كنيسة​ مار موسى وبقايا دير القدّيسة صوفيّا ستُنقَل –فيما لو أخذ مشروع السدّ طريقه إلى التّنفيذ- إِلى مكانٍ قريبٍ، يُمكن وصول المُصلّين والسّائحين إِليه، وذلك تحت إِشرافٍ وثيقٍ من الكنيسة المارونيّة.
وأَمّا على صعيد المواقع الأَثريّة، فقد أُجريت دراسةٌ استقصائيّةٌ حديثةٌ، للكشف عن تاريخ الوادي، اعتُبرَت نموذجًا يجب أَن يُلهِم المشاريع التّنموية الأُخرى... وكان سيتمّ مسح وحفظ أَيّ اكتشافٍ أَثريٍّ بالتّنسيق مع "المُديريّة العامّة للآثار" وتحت إشرافها، كما وأَنّ المشروع كان سيُموّل الأَعمال الأَثريّة كُلّها...



أَحد ركائز استغلال المياه


إلى ذلك، فقد كان مشروع سدّ بسري، الّذي شكّل بصيص أَملٍ مائيٍّ للُبنان، خلاصة جهد مُتواصلٍ، لعُقودٍ مِن الزّمن، درست خلالها الحُكُومة اللُّبنانيّة والمجتمع المدنيّ والأَوساط الأَكاديميّة وشركاؤها الدّوليّون... الطّريقة الأَكثر فعاليّةً مِن حيثُ التّكلفة والاستدامة، والأَقل تأثيرًا لضمان مياه الشّرب المأمُونة لسُكّان لبنان. وقد خلُصت "الاستراتيجيّة الوطنيّة اللُّبنانيّة للمياه"، الّتي استندت إِلى عمليّةٍ جرت تحت إِشرافٍ وطنيٍّ، إِلى أَن "بناء سدٍّ في موقع بسري، هو أَحد الرّكائز الأَساسيّة الّتي تُمكّن لُبنان من استغلال موارده المائيّة واستخدامها بفعاليّةٍ".
وتزامُنًا، فقد عمل البنك الدّوليّ، في شكلٍ وثيقٍ، مع مُختلف الجهات الفاعلة في ​قطاع المياه​، لدعم تنفيذ الكثير من الإِجراءات غير المُتعلّقة بالسُّدود، والّتي تُعتبر أَساسيّةً أَيضًا للتّنفيذ الكامل لـ"استراتيجيّة المياه في لُبنان". غير أَنّ كُلّ المجهودات ذهبت سُدًى، وقد أَطاحت بها الكيديّة السّياسيّة الّتي حرمت اللُّبنانيّ مِن خُبزه اليَوميّ، قبل أَن تسير به إلى "استراتيجيّة التصحُّر"، بوحي مِن الكيديّة السّياسيّة تلك، المُترافقة مع درب ​الفساد​ الطّويل!...



الحرب على الفقراء


لقد بقيت الحُكومة اللُّبنانيّة تدرس "مشروع سدّ بسري" لأَكثر من 50 عامًا، وقد شكّل المشروع جزءًا مُهمًّا مِن "استراتيجيّة المياه الوطنيّة في لبنان"، غير أَن كُلّ ذلك ذهب أَدراج الرّياح... لقد كان البنك الدّوليّ أَكثر رأفة بحال الفُقراء في لبنان مِن بعض الطّبقة السّياسيّة الفاسدة، كما وأَنّ المُجتمع الدّولي أَرحم للُّبنانيّين مِن غالبيّة حُكّامهم ونوّاب أُمّتهم... فلقد دعم البنك الدّوليّ مشروع سدّ بسري، على اعتباره دعمًا للفُقراء، ولم تأبه غالبيّة السّاسة لذلك. وفيما ​العالم​ تغيّر، وهو الآن لاهثٌ إِلى الاستفادة -على نطاقٍ واسعٍ- مِن التّكنولوجيا، وتسخيرها لخدمة ​الإنسان​، فإِنّ الوضع في لبنان مُغايرٌ، إِذ يسوده تَلَهٍّ في المُناكفات! وما عاشه لبنان مع تجربة سدّ بسري، نجد جذره في سياسةٍ مُعمّمةٍ، إِنّما تُحارب في الدّرجة الأُولى الفُقراء مِن كُلّ جانبٍ، وعلى كُلّ صعيدٍ، في حربٍ تأخذ منحى الخبط عشواء...