بات واضحا أن خطّة ​محكمة​ رُسمت ل​لبنان​ لدفعه نحو الإنهيار وقد بدأت تتضح معالمها بعد إقفال ​المصارف​ أبوابها بتبرير "​الثورة​" في الشارع، في حين أن تحويل المليارات الى الخارج كان يجري على قدم وساق خلف الأبواب الموصدة... يومها الاموال خرجت، فُقد ​الدولار​ من المصارف، ​اللبنانيون​ تهافتوا على سحب الأموال، والأهمّ من هذا أن الكلام المتداول بات أن ودائع اللبنانيين "تبخّرت"!.

في دولة حقيقية يصلح هذا الكلام ليكون رواية فقط... ولكن لا هذه ليست رواية هي حقيقة يعيشها اللبنانيون، وأبطالها هم هيئة ال​تحقيق​ الخاصة في ​مصرف لبنان​، ​النيابة العامة التمييزية​ والمصارف. "​النشرة​" تتابع هذا الملف وفي مقالين سابقين تطرقت الى موضوع الاموال المحوّلة الى الخارج تحت عنوان 900 مليون دولار هُربت الى ​سويسرا​ ما بين تشرين الماضي وأيار ولا يوجد من يُحقّق! و" هيئة التحقيق الخاصة: أموال اللبنانيين خرجت ولن تعود"! وتحدثنا فيهما عن عمل النيابة العامة التمييزية وهيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان في موضوع استعادة ​الاموال المحولة​ الى الخارج.

مراسلة هيئة التحقيق


مؤخّرا وردت مراسلة سريّة تطرقت اليها "النشرة" وموقّعة من حاكم مصرف لبنان ​رياض سلامة​ بصفته رئيسا للهيئة، علما انه يشغل المنصبين في الوقت عينه، طلب فيها من الامين العام "لهيئة التحقيق الخاصة" تزويد النيابة العامة التمييزية بالمستندات المطلوبة. وأوضحت المراسلة أن "جميع المصارف قامت مجددا بدراسة الحسابات المفتوحة لديها لاشخاص لبنانيين يعملون في المجال السياسي حصرا، والتي صدرت منها التحاويل الى الخارج في الفترتين: الأولى من 17/10/2019 ولغاية 31/12/2019، والثانية بين 1/1/2020 ولغاية 15/07/2020 التي اودعت فيها وحوّلت منها الى الخارج ارصدة مالية تعادل او تزيد عن مليون دولار وبأن ليست لديها اية شبهات"، مضيفةً: "تبين من اجوبة 31 مصرفا ان عدد الحسابات العائدة حصرا لاشخاص يعملون في المجال السياسي والتي صدرت منها التحاويل الى الخارج بلغ 228 حسابا، ومجموع الاموال المحوّلة 52.252.530 $". هذا الجواب يدل على محاولة تضييع الوقائع من قبل بعض المصارف التي لم تلتزم بتقديم معلومات عن الحسابات التي حوّلت ما يعادل او يزيد عن مليون دولار أميركي حصرا، لذلك كانت النتيجة ان 228 حسابا حولوا فقط أكثر 52 مليون دولار.

خطورة المراسلة


خطورة هذه المراسلة، التي تأتي جوابا على طلب النيابة العامة التمييزية من هيئة التحقيق الخاصة أن تزودها بعدد الحسابات التي حولت الاموال الى الخارج، و​تكليف​ المصارف التحقيق مجددا، أنها قطعت الطريق بشكل كلّي على أي تحقيق يُمكن أن يحصل من قبل النيابة العامة التي تعمل على قاعدة "لا نستطيع فعل شيء ما لم تزودنا هيئة التحقيق بالمعلومات". وهنا يشير المحامي العام التمييزي القاضي صبّوح سليمان الذي يتابع الملف الى أنه "اذا أصرينا على تزويدنا بأصحاب الحسابات فإن المصارف سترفع بوجهنا سيف "قانون ​السرية المصرفية​"، لافتا الى أن "المصارف وبجوابها بأنّها أجرت التحقيقات ولا شبهات في الحسابات المحوّلة وضعتنا أمام منعطف جديد"، مؤكدًا أننا "لا نستطيع معرفة الحسابات وأصحابها طالما هناك سرّية مصرفيّة وبالتالي لن نعرف من حوّل الاموال".
يتحدّث القاضي سليمان عن التحقيقات في موضوع الاموال المهرّبة، ويقول "لا نستطيع القيام بحملة على النوّاب والوزراء ومن يتعاطون الشأن العام والتدقيق في ممتلكاتهم وثرواتهم وأموالهم على طريقة Fishing، واصلا ليس لدينا قائمة بأسماء من يتعاطون الشأن العام وهذه موجودة بسجلات ​الدولة​، ومن ثمّ اذا اردنا القيام بمثل هذه الحملة فنحن نحتاج الى جهاز بشري وهو غير متوفّر".

اجراءات مرتقبة؟!


يؤكّد القاضي سليمان لـ"النشرة" أنه استلم هذا الملفّ ويتعاطى معه على قاعدة احترام قانون السّرية المصرفيّة، ويشير الى انه "طلب من هيئة التحقيق الخاصة أن تزود النيابة العامة بأسماء لـ31 مصرفاً الذين حوّلوا الأموال الى الخارج، وسيقوم باستدعاء المسؤولين عن دوائرهم للامتثال في تلك المصارف لمعرفة آلية التحقّق من مصادر الأموال"، مشددا على أننا "سنبدأ بالاستدعاءات فور ورودنا اسماء هذه المصارف من هيئة التحقيق الخاصة". في المقابل تقوم النّيابة العامة التمييزيّة بخطوة أخرى عبر المدعي ​العام المالي​ وهو عضو هيئة التحقيق الخاصة القاضي ​علي ابراهيم​، الذي اشار عبر "النشرة" الى أنه "كلّف من قبل المدّعي العام المالي القاضي غسّان عويدات بالتحرك في الملف على أن يرسل الى هيئة التحقيق الخاصة طلباً بتزويدها بأسماء اصحاب التحاويل والمبالغ المحوّلة الى الخارج".

ما بين الحاكم والمصارف


وأنت تجالس القاضي سليمان تسأل إذا كانت الاموال خرجت وليس هناك من رقم حقيقي للتحاويل، ففي العلن نسمع بالمليارات بينما بالتحقيقات الضيّقة التي لا يتخطّى سقفها نهاية العام 2019 كان المبلغ 160 مليون دولار تقلّص الى 52 مليون دولار، فكيف يُمكن استعادتها؟ في وقت أن النيابة العامة تنتظر هيئة التحقيق الخاصة لتزويدها بالاسماء وهيئة التحقيق تقول المصارف اجرت التحقيقات ولا شبهات!... فيأتيك الجواب صاعقاً: "الأموال خرجت ولا نستطيع استعادتها الا من خلال ضغط حاكم مصرف لبنان رياض سلامة على المصارف لاعادتها، وفعليا من سيعيد الأموال هم رؤساء مجالس ادارات المصارف الذين حوّلوا موالهم الى الخارج".
يبرّئ القاضي سليمان هيئة التحقيق الخاصة من أيّ مسؤوليّة إذ يؤكد أن "اصحاب الحسابات الذين حوّلوا أموالهم ليسوا معروفين من قبل هيئة التحقيق الخاصة بل من المصارف التي تؤكد أن لا شبهة بالتحاويل والحسابات"، يعني بالمختصر "المصارف لا تتعاون".
في الكثير من دول ​العالم​ تحصل قضيّة تهريب الاموال الى الخارج، والعديد من دول العالم ومنها ​أنغولا​ استعادت جزءاً من الاصول المحوّلة عبر النيابة العامة هناك، وفي لبنان هيئة التحقيق والنيابة العامة تتقاذفان الكرة، وعوض ان تفتح النيابة العامة التحقيق تنتظر أن تتكرم عليها الأخيرة بأسماء اصحاب التحاويل، والواقع أنها تملك أقوى سيف لاستعادة تلك الاموال... وفي خضمّ كلّ هذا فإنّ ثابتة وحيدة قائمة وهي أن "أموال اللبنانيين خرجت ولن تعود"!.