ظاهرياً، أوحت معطيات الأسبوع الأخير أنّ "شريكي" ما عُرف بـ"تفاهم معراب"، رئيس "التيار الوطني الحر" الوزير السابق ​جبران باسيل​ ورئيس حزب "القوات اللبنانية" ​سمير جعجع​، في "خندقٍ واحدٍ"، عشيّة ​الاستشارات النيابية​ المُلزِمة لتسمية رئيس ​الحكومة​.

هكذا، سُجّل "تقاطعٌ" بين باسيل وجعجع على رفض ترؤس رئيس تيار "المستقبل" ​سعد الحريري​ للحكومة المقبلة، وإن كان مُنطلَق كلٍّ منهما مختلفاً حدّ "التناقض" مع الآخر، بين اعتباراتٍ وحساباتٍ فيها المصلحيّ الآنيّ، وفيها المبدئيّ الثابت، إن جاز التعبير.
ولعلّ صورة هذا "التقاطع" تتعزّز حين يعترف "التيار" مثلاً بحيثيّة خصمه، من باب دفاعه عن "الميثاقيّة" التي لا تتحقّق من دون حصانة "الكتلتين المسيحيّتين الوازنتين"، بل حين يذهب أبعد من ذلك باستعادته نغمة "التحالف الرباعي" على حساب المسيحيّين.
لكنّ "المفاجأة" التي كانت ربما في الحسبان، تمثّلت في "تحييد" جعجع نفسه عن "حسابات" باسيل، وتطوّعه لمنح "هدايا ميثاقيّة" بالمجّان، ما دفع البعض إلى حدّ القول إنّ رئيس حزب "القوات" قد يقرّر دعم الحريري في اللحظة الأخيرة، "نكايةً بباسيل"!.

"لا نكايات"!

يرفض "القواتيون" الحديث بمنطق "النكايات" هذا، والذي قد يكون معبّراً برأيهم عن نمط "العلاقة الجدلية" القائمة بين باسيل والحريري، والتي "قفزت" في سنةٍ واحدةٍ من "شهر عسل وتفاهم كامل"، إلى "طلاق ونكد ومحسوبيات"، حتى أنّ البلاد تعيش منذ أسبوع أسيرة احتمال عقد لقاء "يتيم" بين الرجليْن، بات من "سابع المستحيلات".
بالنسبة إلى "القوات"، فإنّ موقفها على النقيض من ذلك، واضحٌ منذ اليوم الأول، بل منذ استقالتها من حكومة سعد الحريري قبل عام، وتموضعها في صفّ "الناس" على وقع "الانتفاضة الشعبية" التي كان ينبغي أن "تهزّ الضمائر" في السابع عشر من تشرين الأول، ليتبيّن بعد عامٍ على وقوعها أنّ السياسيّين مصرّون على اعتماد سياسة "النكران" إزاءها.
يقول "القواتيون" في هذا السياق، إنّهم أعلنوا منذ اليوم أنّ المطلوب "حكومة إنقاذ" بكلّ ما للكلمة من معنى، ومثل هذه الحكومة تتطلّب وجوهاً متخصّصة وجديدة بالكامل، من رئيسها إلى أعضائها، الأمر الذي لا يسري على الحريري، "مع كامل الاحترام والتقدير" له. ويذكّرون بأنّ موقفهم هذا أدّى إلى "توتّرٍ مُضاعَف" على خط العلاقة مع "الشيخ سعد"، لكنّهم تمسّكوا به ولم يحيدوا عنه، في وقتٍ كان غيرهم يضع "الشروط" في "بازار الحكومة" على طريقة "الابتزاز".
ويشدّد المحسوبون على "القوات" على أنّ المشكلة كانت وما زالت وستبقى، كما قال جعجع في حديثه الأخير، مرتبطة بـ"الثلاثي الحاكم"، أي "التيار الوطني الحر" و"​حزب الله​" و"​حركة أمل​"، بعدما أثبتت التجربة، من "تفاهم معراب" وما سبقه وما تلاه، أنّ "المساكنة" معه لا تجدي، قاطعين بذلك الطريق أمام أيّ "استدراج عروض" يقول البعض إنّ قيادة "القوات" بدأت تتلقّى "إشاراته" في الأسبوع الأخير، ولو من باب "تنسيق المواقف".

بين التقاطع والاستدراج!


قد لا يكون مُبالَغاً به القول إنّ كثيرين "بنوا" في مكانٍ ما على "التقاطع" الذي رُصِد على خط الاستشارات النيابية بين "التيار" و"القوات" لإعادة عقارب الساعة إلى زمن "تفاهم معراب" بشكلٍ أو بآخر. ولعلّ استعادة نغمة "التحالف الرباعي"، معطوفاً على "مصلحة المسيحيّين" وغيرها من المصطلحات، رسّخت هذا الجو في الكثير من الصالونات السياسيّة.
لكنّ المفارقة التي قد تكون مثيرة للانتباه أنّ الفريقيْن المعنيّيْن ينفيان ايّ "توجّه" من هذا القبيل، وبالمُطلَق. وقد تكون "القوات اللبنانية" أول من "دحضت" هذا التفكير، بدخولها على خطّ السجال حول "ميثاقية" تسمية الحريري من دون دعم "الكتلتين المسيحيتين الوازنتين"، حين أطلقت على لسان الوزير السابق ​ريشار قيومجيان​، "فتوى" تقوم على أنّ مجرّد حضور نواب تكتّل "​الجمهورية القوية​" الاستشارات يؤمّن الميثاقية المطلوبة.
ومع أنّ هذه "الفتوى" كما يقول أصحاب الاختصاص وخبراء القانون، دستوريّة بالكامل، بعيداً عن السجال "المسيَّس" الحاصل هذه الأيام، ولو أنّ مشكلة "الميثاقية" أكثر من واردة في مرحلة التأليف، فإنّ العارفين يقولون إنّ الهدف من رسالة "القوات" كان سياسيّاً بالدرجة الأولى، ويقضي بتوجيه رسالة إلى "التيار" بوقف "اللعب على وتر المسيحيين"، عبر التأكيد بأنّ "التقاطع" المسجّل ربما على "العناوين"، لا يسري أبداً على الخلفيّات وعلى التفاصيل، وبالتالي أنّ أيّ "تلاقٍ" بين الطرفين ليس وارداً ولا ممكناً ولا واقعياً في المرحلة الحالية.
ومثل "القوات"، لا يتردّد "التيار الوطني الحر" في نفض يده من أيّ "استنتاجاتٍ" لا أساس لها من الصحّة حول العلاقة مع جعجع وغيره. يقول بعض المحسوبين عليه إنّ "التقاطع" بين الجانبيْن ليس محصوراً بالموقف من تسمية الحريري، بل هو حاصلٌ في ملفّاتٍ عدّة، كان آخرها على سبيل المثال لا الحصر قانون العفو، الذي حاول البعض "استصداره" في مجلس النواب، ولكنّه لا يجب أن يُحمَّل أكثر ممّا يحمل بطبيعة الحال.
ويذهب هؤلاء أبعد من ذلك، بالقول إنّه إذا كانت "القوات" لا تريد عودة عقارب الساعة إلى الوراء، فإنّ "التيار" الذي "جرّب المجرَّب" لا يريد ذلك أيضاً، بعدما أدرك، عبر "الانقلاب القواتي"، أنّ الغايات من التفاهم كانت شخصيّة لا أكثر ولا أقلّ، وهو لا يريد أن يتكرّر "السيناريو" نفسه من باب "تقاطعٍ" آنيّ قد لا يعني الكثير. لكنّهم يشيرون إلى أنّ بعض الهواجس التي ينبغي أن تقرّب بين الطرفين تبقى موجودة وثابتة، من بينها شبح "التحالف الرباعي" الذي بدأ بالظهور في اليومين الماضيين.

بعيداً عن المبدئيّة المزيّفة!

باختصار، يبدو "التيار" و"القوات" كمن يريد أن يتظلّل بالآخر ويحتمي به في مواجهة "العاصفة" الآتية، ولكنّه في الوقت نفسه، يريد أن "ينفض يده" من أيّ تفاهمٍ محتملٍ معه.
يلتقي الجانبان على شعار "مصلحة المسيحيين" كعنوانٍ لمعظم طروحاتهما، والاستشارات من بينها، ولو اختلفت "قراءة" كلّ منهما، وفقاً لاعتباراته الخاصة، وقبلها لحساباته التكتيكية والسياسيّة والمصلحيّة.
لكنّهما يفترقان على كلّ ما عدا ذلك تقريباً، بما فيها "ترجمة" ما يلتقيان عليه. وفيما يريد "التيار" تحصين "العهد" بما تبقى من ولايته، فإنّ عين "القوات" منصبّة على ما بعد هذا "العهد"، وهي لم تعد تخفي "طموحها" بإنهائه، ولو قبل الأوان.
لكلّ ذلك، يبقى الرهان على "تقاطع" بينهما "أضغاث أحلام"، بل قد لا يكون غريباً الحديث عن استعداد أيّ من الطرفين للإقدام على أيّ تصرّفٍ "نكايةً" بالآخر، بعيداً عن "المبدئية والمثالية" المزيّفة التي يدّعيها الجميع، ولا يمارسها أحد!.