منذ "إسقاط" حكومة حسّان دياب، كُتِب الكثير عن الأسباب التي دفعت إلى "انقلاب" عرّابيها عليها، وتحويل رئيسها إلى "أصل البلاء"، وهو المُنضمّ حديثاً إلى نادي السياسة في ​لبنان​، والذي بقي منذ تكليفه وحتى استقالته، يتصرّف كمن "لا حول ولا قوة له"، متفرّغاً طيلة "ولايته" للشكوى من حصارٍ ومؤامرة تستهدفه شخصياً.

قيل مثلاً إنّ الرجل ارتكب "خطيئة كبرى" يوم "استحضر" موضوع ​الانتخابات النيابية​ المبكرة من "الأرشيف"، وقرّر طرحه على طاولة ​مجلس الوزراء​، فكان قرار "إطاحته" سابقاً لذلك، من خلال "تمثيليّة" محاسبة الحكومة في ​مجلس النواب​، في "سابقةٍ" عزم رئيس مجلس النواب ​نبيه بري​ على إجرائها، رافضاً كلّ الوساطات لثنيه عن ذلك.
لكن قيل أيضاً، إنّ السبب الحقيقيّ أنّ حكومة حسّان دياب لم تعد تملك "مقوّمات ​الحياة​" بعد ​انفجار​ الرابع من آب المشؤوم، وأنّ المطلوب حكومة مغايرة ومختلفة في الشكل والمضمون، تتصدّى للمتغيّرات الكارثيّة الهائلة، وتلبّي متطلّبات ​المجتمع الدولي​ وشروطه الإصلاحيّة للإفراج عن مساعداته المُعلنة والمُضمَرة للبنان.
لكن، ما الذي تحقّق من ذلك، بعدما بات "ملموساً" أنّ الحكومة التي يعمل رئيس الحكومة المكلّف ​سعد الحريري​ على تأليفها، بالتشاور مع ​رئيس الجمهورية​ ​ميشال عون​، لن تكون أكثر من "نسخة منقّحة" عن حكومة دياب، بل إنّ البعض يذهب لإزالة صفة "المنقَّحة" عنها، بالنظر إلى القواعد المُعتمَدة، والمجرَّبة لدهور، في التأليف؟!.

نسخة "منقّحة"!


في وقتٍ يصرّ رئيسا الجمهورية ميشال عون والحكومة المكلّف سعد الحريري على اعتماد "التكتّم" في ملف ​تأليف الحكومة​، ويتصدّيان بكلّ الأسلحة المتوافرة لكلّ التسريبات التي تنتشر سريعاً عبر وسائل الإعلام، حول ​تفاصيل​ يُفترض أن أحداً لا يعلم بها سواهما، فإنّ القواعد المُعتمَدة في التأليف باتت شبه محسومة، ومُعلَنة بشكلٍ أو بآخر.
من هذه القواعد أنّ الوزراء "الاختصاصيّين" الذين يصرّ عليهم الحريري، لن يكونوا في الحقيقة، سوى من "صلب" الأحزاب، ولو على طريقة "المقرّبين". ولعلّ تكرار رئيس الحكومة المكلّف عبارة "الاختصاصيين غير الحزبيين" أكبر دليلٍ على ذلك، ولو أنّه يحاول من خلالها اللعب على الكلام، باعتبار أنّها مطّاطة حمّالة أوجُه. إلا أنّ الواضح أنّه يتعمّد تفادي إطلاق وصف "الحياديّين" أو "المستقلّين" على هؤلاء "الاختصاصيّين" لغايةٍ في نفس يعقوب.
وفي هذا السياق، ثمّة من يقارن سلفاً بين "قواعد" كلّ من الحريري ودياب، ليخلُص إلى أنّها واحدة، فدياب أصرّ أيضاً على حكومة اختصاصيّين، من دون أن يُلزم نفسه بصفة "الاستقلالية" التي اكتشف "عدم واقعيّتها" في ظلّ النظام القائم، وحاجته إلى "ثقة" ​الكتل النيابية​، وهو تماماً ما يفعله الحريري اليوم، ربما انطلاقاً من "الواقعية السياسية" نفسها، ولو أنّه لم يعثر سابقاً على أيّ "أعذار" لدياب في ذلك، على رغم أنّ "اختصاصيّي" الأخير كانوا بمعظمهم أيضاً من المشهود لهم بكفاءتهم وخبرتهم، حتى أنّ الكثير من معارضي الحكومة كانوا يقرّون بأنّها تضمّ وزراء قد يكونون "من الأفضل" في تاريخ الحكومات.
أكثر من ذلك، ثمّة من يعتقد أنّ ما فعله دياب "في الخفاء"، يقوم به الحريري اليوم "في العلن"، ما يعني أنّ صيغته الحكوميّة ستكون "نسخة طبق الأصل"، لا "منقّحة" عن سابقتها، بدليل أنّ المشاورات السياسيّة تحصل "على الهواء مباشرةً"، وأنّ الأحزاب السياسيّة استعادت "الجرأة الكاملة" لتطالب بحصصٍ من هنا ووزراء من هناك، وتفتعل "عقداً" بين الإثنين، من باب رفض تمثيل هذا الفريق، أو حجب هذه الحقيبة عن ذاك، في وقتٍ يأخذ سجال "المداورة" مداه، في "تكريس" واضح لفكرة أنّ الأحزاب السياسية هي التي ستتحكّم بالوزارات، مهما قيل بخلاف ذلك.

"الحريري ليس دياب"!


يخضع ما سبق للأخذ والردّ في النقاشات السياسية. أوساط تيار "المستقبل" ترفض مثلاً أيّ طرحٍ يقول بأنّ الحريري يسير على خطى حسّان دياب في تشكيل حكومته، ولو أنّها لا تقدّم "تفسيرات منطقية" لذلك، مستندةً فقط إلى قاعدة أنّ "الحريري ليس دياب"، باعتبارها كافية للتأكيد أنّ الحكومة هذه المرّة ستكون مختلفة، وأنّ ما حُجِب عن دياب سيُمنَح بطبيعة الحال للحريري، الذي يتمتّع بشبكةٍ متينةٍ من العلاقات محلياً وعربياً ودولياً.
قد تكون هذه الفكرة صحيحة، وقد تكون أصلاً "السبب الفعلي" الذي أدّى إلى "الإطاحة" بحكومة حسّان دياب، خصوصاً أنّ "المتَّهَم الأول" بـ"الانقلاب" على دياب هو بالتحديد رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي لم يُخفِ يوماً، قبل وبعد انضمام دياب إلى نادي رؤساء الحكومات السابقين، أنّ الحريري يبقى مرشّحه المفضَّل، والذي لم يتردّد في خوض المعارك مع دياب "كرمى لعيون الشيخ سعد" في أكثر من مناسبة، وهو حين دفعه إلى الاستقالة، كان يدرك في قرارة نفسه أنّ هذا "السيناريو" يمكن أن يفضي لعودة الحريري في نهاية المطاف.
لكن، وبعيداً عن العوامل "الشخصيّة"، وبمُعزَل عن الرغبات والأمنيات، يبقى السؤال عن دوافع الإطاحة بحكومة دياب، إذا كان البديل عنها لن يكون أكثر من "نسخةٍ" عنها، أكثر من "مشروع"، خصوصاً أنّ هذه "الاستقالة"، أو ربما "الإقالة"، وإن كانت مطلوبة شعبياً من باب "تحمّل المسؤوليات"، بعد انفجار ​المرفأ​، إلا أنّها لم تؤدّ سوى إلى توسيع الشرخ، وتعميق الانهيار، وتعبيد الطريق أمام "جهنّم"، في وقتٍ كان لا بدّ من الذهاب إلى مقاربةٍ مختلفةٍ في الشكل والمضمون في تأليف الحكومة، انسجاماً على الأقلّ مع ما كان يطرحه رئيس الحكومة المكلّف نفسه من شروط ومبادئ "مثاليّة"، قبل "نشوة التكليف".
طبعاً، ليس المقصود أنّ حكومة دياب كان يجب أن تبقى، خصوصاً بعدما تحوّلت جلساتها إلى مجرّد "بكاء على الأطلال"، على خطّ الشكوى من مؤامراتٍ كونيّة وحصارٍ دوليّ، ولكنّ الأكيد أنّ الإطاحة بها كان ينبغي أن تستتبَع بخطواتٍ جدّية وفعليّة تنمّ عن تغييرٍ جذريّ في العقليّة السياسيّة، إلا أنّ "نقيض" ذلك هو ما حصل، وعادت الطبقة السياسية إلى عاداتها القديمة من "​المحاصصة​" وما يمتّ إليها بصلة، بل عاد "التناتش" على الحقائب "الخدماتية"، كما لو أنّ شيئاً لم يكُن.

شاء أم أبى...


يوم أصرّ حسّان دياب على أن تكون حكومته مؤلَّفة من غير الحزبيّين، نُسِب إلى رئيس مجلس النواب قوله، من باب المزاح القائم على الجِدّ، إنّه مزّق بنفسه البطاقة الحزبيّة لأحد وزيريه، ليصبح تلقائياً مرشّحاً ملائماً، و"مطابقاً للمواصفات" المطلوبة.
اليوم، لا يبدو بري بحاجةٍ لمثل هذا "التحايل" أو "التذاكي"، خصوصاً أنّ شرطه "تسمية الوزراء ​الشيعة​" بنفسه، مع "​حزب الله​"، بات مسلَّماً به، بل مكرَّساً على ما يبدو، ولو من دون إعلان، لدى غيره من الأفرقاء، ممّن عادوا ليفرضوا شروطهم.
ثمّة تفسيرٌ واحدٌ لذلك، وهو أنّ الحريري يريد العودة ل​رئاسة الحكومة​، بأيّ ثمن، وهو مستعدّ لتلبية كلّ الشروط، "مهملاً" المبادئ التي قام عليها ترشيحه من الأساس، يوم دعا الأحزاب السياسية إلى "التنحّي جانباً" لبضعة أشهر فقط.
قد يكون الحريري مُحِقّاً بذلك، فالمطلوب "أكل ​العنب​ لا قتل الناطور"، كما يحلو للمدافعين عنه القول، لكنه، شاء أم أبى، كرّس نفسه "خليفة" لحسّان دياب، معتمداً "استراتيجية التأليف" نفسها، عساه لا يعتمد "تكتيك" البكاء على الأطلال نفسه، إذا ما ألّف حكومته...