لطالما شكل الصراع ​الدين​ي عبر التاريخ غطاءً لحروب المصالح التي تضعها النخب السياسية، باعتبار الأديان وسيلة تجييش مجانية تضمن تعبئة بكلفة أقل وإن على حساب الطبيعة الالهية للدين، فاستحضار الدين يخلق الحماس المطلوب في الصراعات التي تنشب لأهداف هي في حقيقتها لادينية، كما أن اللجوء الى الدين لإيجاد الحجج الموجبات، يبقى الواجهة الأفضل لتمرير السياسات بأقل مقدار من الرفض والاعتراض لما للدين من مفاعيل القداسة.

أبرز مظهرٍ لما سبق أنه يندر في المجتمعات المتدينة ظاهراً أن يكون رجل الدين فيها هو الحاكم، ​السلطة​ في الغالب للمدني والسياسي بنظامٍ يرتكز على قوانين جلها مدنية يُداخلها بعض من الشريعة المستخلصة من فهم أحادي للدين، مرفقة بخطاب ديني بعيد عن الواقع المعاش بما يضمن ديمومة حضور الدين ولكن في وجدان العوام فقط ومن دون تداخل مع سياسات الحاكم واعوانه الذين سيحيلون الدين الى هوية شخصية واجتماعية موازية للهوية القومية والوطنية لاستغلال تأثيره متى دعت الحاجة.
ما الذي يدفع إنسان ما ليقتل بإسم الدين الذي حرم القتل؟ او ليعتدي بإسم الدين الذي يحرم العدوان؟ او ليتبنى ​العنف​ دفاعاً عن دين يدعو للسلام؟ لو كان الدين هو المحرك لوجب أن تكون ردات الفعل من طبيعة تعاليم الدين، فمايكون الدافع اذاً؟ للواقع قول آخر، لقد تحول الدين الى هوية شخصية وجماعية ترتبط بذات الشخص، بالأنا الفجة، أكثر من ارتباطها بمبادئه او بثقافته وأكثر من كون الدين رسالة أخلاقية و ثقافية في آن واحد تعني البشرية جمعاء دونما فرق.
الهوية تبدأ من الفرد المنتمي الى جماعة، فتمنحه حق البقاء في جغرافية معينة، وتنتهي الى خلق شعور بالتميز لديه مروراً باكتساب حق الاستحواذ والامتيازات المادية، لذلك، إن انتزاع هوية من شخص ما يعني حرمانه من استمراريته بوجود دنيوي آمن. والهوية بمفهومها التقليدي (عرقي-جغرافي) وبعناصرها القائمة على الخصوصيات المادية لجماعة ما، تسير باتجاه معاكس لمبدأ الدين الأولي ألا وهو المساواة بين البشر أقله في الحقوق الإنسانية الأساسية وفي التعاملات العامة.
تبلغ محاولات تحريف الدين واستغلاله ذروتها عندما تحتكره القوى المتسلطة وتقدمه الى العامة على أنه من مكونات الهوية الذاتية للجماعة والفرد، من هنا نفهم ردات الفعل العنيفة لمن يسمع عن دينه نقداً او تهجماً جاهلاً، إنه برده العنيف يدافع عن وجدانه الخاص وعن انتمائه، اي عن هويته وليس عن الدين نفسه، إنه يثأر لكرامته الشخصية لاحساسه بأنه قد أهين في هويته اي في شخصه، وهدد في حقه بالوجود كما يرغب، فيأتي بردة فعل دفاعية أكبر من حجم العدوان من دون اعتبار لتعاليم الدين التي خرج عنها بردة فعله. فيما الدين مقصده الالهي يفترض احترام الاختلاف ويقابله بالرحمة ويضعه في دائرة التباين الثقافي والجهل الذي يستلزم الدعوة والتبشير بمحبة لا يجوز الغائها في أسوأ الحالات.
تقديم الدين على انه هوية خاصة مرتبطة بالعرق احياناً او بحدود جغرافية معينة، وليس كمنهاجٍ الهي وكرسالة أخلاقية تتوسل المثل لبلوغ ​العدل​، هي ​سياسة​ المتحكمين لاستغلال العوام ومنعهم من التحرر والارتقاء الحر، وهي من تقف وراء الاختلافات و الحروب التي نشبت باسم الدين منذ القدم، وهذا يحدث اليوم أيضاً بالرغم من أن التقدم التقني قد سمح بالحوار المباشر و كشف للجميع أن جوهر الأديان جميعها واحد ونقاط الالتقاء بينها كثيرة، ولكن معهود من الحاكمين وشركائهم أن يدفعو باتجاه الخلاف الذي يولد الخوف من الآخر، والخوف بدوره يدفع للتقوقع والتجمع في حالة واحدة يسهل عندها على الحاكم قيادة الخائفين والتحكم بهم وطرح ما في جعبته من مخططات ومآرب كمشاريع أمان من ذلك الخوف. يحدث هذا في المجتمعات ذات الطابع الغالب، ولكن خطورة تحويل الدين الى هوية تتعاظم في المجتمعات التعددية و​لبنان​ خير مثال على استغلال القوى المتسلطة للدين والتحكم بالمواطنين تحت عنوانه واستغلالهم بشناعة.
نختم بأن الدين لا يمكن أن يكون ايديولوجيا ولا أن يُحتكَر أو أن يتموضع أو أن يُقولَب الى ايديولوجيا من دون تحريفه وتشويهه وخروجه من الدائرة الالهية المثلى الى سلة النتاج البشري المحض، كما أن الدين يخسر جوهره عند محاولات تحويله الى ايديولوجيا لأن الأديان تتجاوز الاختلاف ولأنها تقارب الحالات الإنسانية القصوى مثل الحب والحزن والفرح والخوف والرجاء وما شابه ذلك، من هنا يتضح جلياً بأن فرضية صراع الاديان كذبة وغير ممكنة، وان مقاربة ​ماكرون​ ل​حرية التعبير​ وما قابلها من رد فعل، كلاهما من الدين براء.