احتدمت المواجهة بين رئيس ​التيار الوطني الحر​ النائب ​جبران باسيل​ من جهة و​الولايات المتحدة​ الاميركية من جهة اخرى، وما الرسالة المسجلة التي نشرتها ​السفيرة الاميركية​ في ​لبنان​ ​دوروثي شيا​ وتناقلتها ​وسائل الاعلام​، سوى دليل على مدى حدية هذه المواجهة وجديتها. وبعد قرار العقوبات الاميركية على باسيل، اعتبر الكثيرون ان المسألة باتت شخصية، ليس فقط مع رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، بل مع ​رئيس الجمهورية​ العماد ​ميشال عون​، ودارت احاديث عن مقاطعة تامة ستسود بين السفيرة الاميركية والمسؤولين الاميركيين بشكل عام و​قصر بعبدا​. في المبدأ، ليس خفياً ان العلاقة التي تجمع عون بصهره عميقة وقوية، وبالتالي ان استهداف باسيل هو ضربة مؤلمة لرئيس الجمهورية، ولكن العاطفة والعائلة امر، والشؤون الرسمية لجهة العلاقات بين الدول امر آخر. من هنا، لن يكون هناك اي مقاطعة لا من قبل الولايات المتحدة لقصر بعبدا، ولا من قبل الرئيس اللبناني للمسؤولين الاميركيين على اي مستوى كانوا، فالمصلحة المشتركة للاثنين تقتضي ذلك. لن يبادر عون الى "عزل" نفسه اميركياً، مع كل ما يعنيه ذلك من نتائج سلبية عليه شخصياً وعلى لبنان ايضاً، والا سيتجه الاميركيون الى التشدد معه والتضييق عليه ومحاولة القضاء على ما تبقى من ولايته وصولاً ربما الى حد العمل على اختصارها، وذلك بغض النظر عن الساكن في ​البيت الابيض​ اكان اسمه ​دونالد ترامب​ ام ​جو بايدن​ ام اي اسم آخر، فالمسألة ستتعلق عندها بكرامة ​الدولة​ الاميركية وليس بالانتقام من شخص. وهناك العديد من الامور التي يجب فيها التعاطي مع الاميركيين، دون الالتفات الى سياساتهم في المنطقة وما اذا كانت تحظى بقبول وتفهم لبناني ام لا، الا انه لا يمكن القفز فوقهم لان النتيجة ستكون قاسية وقد اثبتت ​واشنطن​ قدرتها على التسهيل والتعطيل في اكثر من بلد في ​العالم​ وبالاخص في لبنان.

اما من ناحية ​اميركا​، فهي لن تقدم على خطوة من شأنها اثارة حفيظة اللبنانيين ككل، او قطع العلاقة مع طرف اساسي فيها، كما يهمها الحفاظ على الشكل الرسمي للتعاطي، علماً ان ليس هناك من مأخذ موثق او مثبت على رئيس الجمهورية كي يتم التصعيد في وجهه، وهو ليس احد الاهداف الاميركية. ويقيناً، لو كان هناك من بد لزيارة شيا او اي مبعوث او مسؤول اميركي لعون، فلن يجدوا حرجاً في زيارة قصر بعبدا. اضافة الى ذلك، فإن مقاطعة عون من شأنها وضع لبنان ككل في قفص الاتهام، وتوجيه الاصابع الى واشنطن لكونها تعمل على تقويض الاستقرار في البلد واستهداف الطائفة المسيحية فيه، وعدم الاكتفاء بشخص واحد بل بشريحة بأكملها، وقد يتم اتهامها ايضاً بفرض الفوضى والتشجيع على الانقلاب على ​النظام اللبناني​ بأكمله، كما ستغلق الباب كلياًامام العديد من الملفات المهمة لها وللمنطقة وللبنان بطبيعة الحال، ليس اولها المفاوضات الحدودية غير المباشرة مع ​اسرائيل​، ولن يكون آخرها ملف ​الوضع الاقتصادي​ والمالي والسياسي وتزكية او دعم اي مرشح آخر لمنصب الرئاسة لانه سيكون حكماً في موضع الاتهام من قبل اكثر من نصف اللبنانيين، ناهيك عن اراحة ​حزب الله​ داخلياً (هو عكس الاجندة التي وضعتها وتحارب من اجلها منذ اكثر من سنة)، والتخلي عن الورقة اللبنانية لصالح قوى اخرى.
ووفق كل ما سبق وغيره من الامور، يمكن القول انه لن تكون هناك من قطيعة بين اميركا وقصر بعبدا، دون ان يعني ذلك ان درجات الود والانسجام ستكون عالية وفي احسن احوالها، ولكن مصلحة الطرفين تلتقي عند هذه النقطة كما غيرها من النقاط، في انتظار كيفية تعاطي ​الادارة الاميركية​ ​الجديدة​ مع الواقع اللبناني واللاعبين المحليين.