تتقاطع المعطيات المحلية والدولية على ان ​الحكومة​ العتيدة لن تبصر النور في وقت قريب، بل سيبقى الوضع الحالي في ​لبنان​ على حاله، أقلّه لاسابيع عديدة، ريثما تتبلور الصورة النهائية للاوضاع الدولية وبعدها الإقليمية، خصوصاً على الصعيد الاميركي-الروسي-الصيني-الاوروبي من جهة، واستطراداً-الاميركي-الايراني. الا انه خلال الساعات الماضية، تعمّد رئيس الحكومة المكلف ​سعد الحريري​ "تسريب" انباء عن قرب الوصول الى خطوات إيجابية على صعيد الحكومة، لجهة تقديمه تشكيلة حكومية بالاسماء والحقائب الى ​رئيس الجمهورية​ العماد ​ميشال عون​. هذا الامر لم يقرأه متابعون للملف الحكومي كما يرغب في تقديمه الحريري، بل رأوا فيه مجرد "إبر مورفين" تهدف الى زيادة منسوب مؤيّديه من جهة، وإبراز دوره في الموضوع المكلّف فيه أيّ تشكيل حكومة جديدة، بمعنى أنّه لا يقف مكتوف اليدين بل يحاول التحرك ضمن الهامش المسموح به، ووفق ما تمليه عليه الظروف.
ويشير هؤلاء المتابعون، الى أنّ الهدف الاكبر من هذا التحرك هو نقل الضغوط الى ملعب عون، وما تسريب بعض الأسماء المطروحة سوى للتدليل على أنّ تحرك الحريري جدّي، فيما الواقع يفيد بغير ذلك خصوصاً وأنّ الأسماء المسرّبة تظهر وكأن المشكلة محصورة فقط في أسماء الوزراء المسيحيين، وهو أمر صحيح إنما لأسباب مختلفة. فموضوع التسمية، وفق المصادر نفسها، تختلف مرجعيّته، لأنه من غير الصحيح أنّ الحريري هو المسؤول الوحيد عن تسمية كل الوزراء من كل ​الطوائف​، ف​الطائفة الشيعية​ و​الدروز​ لم يفوّضوا او يقبلوا بأن يسمّي الحريري وزراءهم، وبالتالي لن يقبل عون بتسمية رئيس الحكومة المكلف للوزراء المسيحيين. ويصرّ المتابعون للملف الحكومي على أن الحريري لن يسرّب تشكيلته الحكومية كاملة للاسباب المذكورة آنفاً، فيتبيّن عندها بشكل قاطع أنّه ليس المسؤول الوحيد عن تسمية الوزراء، وسيكون في وضع صعب لتبرير نفسه أمام الساحة المسيحيّة.
ووفقاً لهذه المعطيات، فإنه من غير المتوقع ​تحقيق​ أيّ تقدم ملموس حالياً في الملفّ الحكومي، وإن جرعة التفاؤل التي ضخّها الحريري على الساحة السياسية، اعطت مفعولاً محدوداً فقط وزادت الضغط بعض الشيء على عون، دون أن يكون مفعولها كبيراً في هذا المجال، ولعل الكلام الصادر عن المدير العام للامن العام ​اللواء عباس ابراهيم​ ألقى ​الضوء​ على أن المشكلة الحكوميّة دوليّة اكثر منها محلّية. ومع انعقاد المؤتمر الدولي لدعم لبنان بمبادرة فرنسيّة، لن تكون الامور أكثر سلاسة في الملفّ الحكومي، كما في الملفات الأخرى أيضاً، وسيكون رئيس الحكومة المستقيل حسّان دياب الأكثر إستفادة من هذا الوضع، وقد بدأ يكثر من إطلالاته ومواقفه، دون أن يغيّر ذلك من طبيعة وضعه السياسي والشعبي.
هذا هو الحال الذي يعيشه لبنان، وبين متابعة أوضاع وباء ​كورونا​ ومشاكله ومتابعة التعقيدات الدبلوماسية والعسكرية الدولية التي ترخي بثقلها على الوضع الاقليمي، يبقى الستاتيكو القائم السيناريو الاسوأ بالنسبة الى اللبنانيين، فهم يعاينون قاع الهاوية (اي الفوضى الشاملة والافلاس العام) ولا تفصلهم عنه سوى مسافة قليلة جداً وممنوع عليهم الوقوع فيه، فتزداد معاناتهم الصامتة دون أيّ تغيير فعلي، الى حين القيام بتسوية فاعلة على الصعيد الدولي تسمح ببدء الخطوات العمليّة لإنقاذ البلد من حالته المأساوية وإعادته الى حالته السيئة على صعيد ​الفساد​ والهدر، إنّما تبقى افضل بكثير من الكوارث التي يغرق فيها ​اللبنانيون​ يوماً بعد يوم والتي تضعهم امام نفق مظلم لا يلتمسون فيه ولو بصيص أمل في الخلاص.
ليس الحريري الخلاص، ولا أيّ مسؤول سياسي لبناني آخر، وعجلة السّياسة الدوليّة هي وحدها الكفيلة بانقاذ لبنان، فمتى ستدور؟.