في أواخر شهر تموز، ذهبت إلى لبنان في زيارة افتراضية عبر الفيديو. أبهرتني القدرات الهائلة التي يتمتع بها شعب لبنان، لكن صاحبه انطباع آخر حول ضخامة ما يحتاجه لبنان من إصلاحات جدية. وما هي إلاّ أيام حتى شاهدتُ بفزع الانفجار الهائل الذي هزّ ​مرفأ بيروت​ وأسفر عن مقتل وإصابة عدد كبير من الناس، ناهيك عن تدمير البنية التحتية الحيوية والمنازل. أما المرفأ المدمر فقد أصبح الآن بمثابة تذكير قاتم بأهمية أخذ أيِّ تحذير على محمل الجدّ حال تلقينا له، ورمزٍ لعواقب سوء الإدارة والفساد.


ينبغي لنا، أن نحول دائما دون وقوع الكوارث. بيْد أن ذلك في بعض الأحيان خارج استطاعتنا. فنحن لا يمكننا، على سبيل المثال، التحكم في أحوال الطقس ووقف إعصارٍ أو زلزالٍ أو ​تسونامي​. ولكن يمكننا الاستثمار في أنظمة الإنذار المبكِّر، ووضع خطط لحماية المواطنين والممتلكات والاستثمارات، وضمان وجود القدرات في المكان المناسب، والمبادرة لاتخاذ إجراءات حال تلقينا أي تحذيرات.


يواجه لبنان الآن خطر متنامي يهدد مواطنيه. هذا الخطر يأتي كنتيجة مباشرة لنموذج اقتصادي فيه خلل. وكما كان الحال بالنسبة للانفجار في المرفأ، فهذه مشكلة من صنع البشر أيضاً وكان بالإمكان تفاديها. لقد كان هذا الخطر في العموم صامتاً، غير أنه الآن يتعاظم يوماً بعد يوم. وباتت ​حالات​ الطوارئ وشيكة في التعليم والرعاية الصحية وفي ​قطاع الكهرباء​ أيضاً. ولكن الخطر الأكثر إلحاحاً هو ذاك المتعلق ب​الأمن​ الغذائي: لبنان على شفير عدم استطاعته إطعام نفسه.


ففي لبنان حاليا الكثير من المؤشرات التي تبعث على القلق. فأزمة الأمن الغذائي لا تتكشّف بصورتها إلا بعد أن تصل إلى أسوء مراحلها ويقع ما لا تُحمد عقباه. ولهذا السبب، يوصف هذا النمط من الأزمات بأنه تسونامي صامت. لبنان بلدا معرضا لأزمة الأمن الغذائي لأنه يستورد كميات فائقة من المواد الغذائية، فهو يستورد 85% من استهلاكه المحلي من ​القمح​. وفوق هذا كله، هناك ارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، فقد بلغت نسبة ارتفاع أسعار ​المنتجات الغذائية​ 141% في شهر تموز من هذه ​السنة​ مقارنةً بالفترة ذاتها من السنة الماضية.


وبالنسبة لمن يعيشون على هوامش المجتمع في لبنان، ومن بينهم، على سبيل المثال لا الحصر، ​اللاجئون السوريون​، فقد واجهوا نكوصاً مفزعاً في قدرتهم على تحمّل شظف العيش. فمعظم ​اللاجئين السوريين​ يعيشون الآن في فقر مدقع ويعجزون عن شراء ما يحتاجونه من طعام مناسب. كذلك هي الحال في أوساط اللبنانيين، حيث أصبحنا نرى البعض يبيعون ممتلكاتهم لشراء الطعام لأطفالهم، كما نرى طوابير طويلة لشراء ​الخبز​. ومن شأن رفع الدعم الحكومي أن يتسبّب في تفاقم الوضع. وكانت ​الأمم المتحدة​ قد توقعت في أواخر شهر آب أن أكثر من 50% من ​الشعب اللبناني​ قد لا يتمكن من الحصول على الأغذية الأساسية بحلول نهاية العام الحالي 2020.


لبنان بحاجة لإصلاحات حقيقية ودعم تنموي، لكن كما يتضح من التجارب، الإصلاحات تستغرق بعض الوقت. وليس من السهل إحراز تقدّم، ولا سيما في ضوء التحديات العالمية الجسيمة التي جلبتها جائحة كوفيد-19. إن الوقت ليس في صالحنا. ولا مناص هنا من عملية إنسانية لتكون بمثابة ​الجسر​ لهذه الحلول لتخفيف المعاناة ولجم أسوأ آثار هذه ​الأزمة​ هنا. ولسوف تستمر ​المملكة المتحدة​ في دعم أكثر الفئات حاجة للدعم. لكن الحاجة لاتخاذ إجراء عاجل من قبل ​الحكومة اللبنانية​ لحماية الناس أمر حيوي.


وأكرّر هنا ندائي لقادة لبنان بالقيام بما يلزم و​تحقيق​ الإصلاحات اللازمة، ووضع لبنان على درب يصل به إلى مستقبل مستدام وذو شفافية ومساءلة وشمولا. إن التخطيط لأزمة ليس مجرد ممارسة فنية، بل إنه في نهاية المطاف خيارٌ سياسي. ولا بدّ لكم من وضع خطة عمل وأن تكونوا مستعدين لتنفيذها من أجل مصلحة أكثر الناس حاجة للمساعدة. وها هو ​المجتمع الدولي​ وشعبكم يراقبون.


إن من حق الناس في لبنان وكل الآخرين الذين يعتبرون لبنان وطناً لهم، أن يعيشوا حياةً أفضل. والبديل سيكون له عواقب مروعة. ستواصل المملكة المتحدة الوقوف كشريك ثابت لشعب لبنان. ولكن على قادة لبنان أن يتحرّكوا الآن



بقلم وزير شؤون الشرق الأوسط البريطاني جايمس كليفرلي