في الوقت الذي تتواصل فيه إجتماعات المجلس المركزي لمصرف ​لبنان​ لبحث مسألة رفع الدعم، تبيّن من نقاشات جلسة لجان ​المجلس النيابي​ الأربعاء الماضي، أنّ أحدًا لا يُريد تحمّل مسؤولية "كُرة النار" المُتمثّلة برفع الدعم، أكان جزئيًا أم كليًا، أو فورًا أم بشكل تدريجيّ! فما الذي سيَحصل في ظلّ تقاذف المسؤوليّات القائم بين الجهات المعنيّة؟.

بداية لا بُدّ من الإشارة إلى أنّ مجلس النوّاب رفض أن يُؤمّن الغطاء السياسي مجانًا لمسألة رفع الدعم، لما لهذا القرار من إنعكاسات سلبيّة جدًا في الأوساط الشعبيّة، وبطبيعة الحال لما تبقّى من مُؤيّدين للقوى السياسيّة المُمثّلة في البرلمان.وطالب المجلس الذي عليه قريبًا تحمّل وزر إقرار قانون "الكابيتال كونترول" غير الشعبي أيضًا، ​الحكومة​ بتقديم تصوّرها بشأن رفع الدعم، بالتنسيق مع ​مصرف لبنان​، ومن ثمّ بعرضه على المجلس، بحجّة أنّ هذا الأخير هو سلطة تشريعيّة، ودوره يتمثّل في إبداء الرأي بإقتراحات ​مجلس الوزراء​. وبما أنّ حُكومة ​تصريف الأعمال​ تتصرّف–وبشكل مُثير للإستغراب، وكأنّ مهمّتها إنتهت منذ إستقالتها، فإنّ "كرة النار" باتت عمليًا في ملعب مصرف لبنان دون سواه. وليس بسرّ أنّ ​المصرف المركزي​ يقول إنّ الإحتياط المالي الذي لا يزال بإمكانه التصرّف به لتوفير الدعم، لا يتجاوز 800 مليون دولار، ويُحذّر من أنّ نفاذ هذا المبلغ سيُرغم المصرف على إعتماد خيار من ثلاثة:
أوّلاً: التوقّف عن الدعم، وبالتالي ترك أسعار مُختلف السلع والخدمات المَدعومة تقفز بمعدّل خمسة أضعاف عمّا هي عليه حاليًا.
ثانيًا: البدء بالسحب من الإحتياطي الإلزامي، أي ما تبقى من أموال المُودعين التي كان يُفترض أن تكون مُؤتمنة في خزنات ​المصارف​ والمصرف المركزي.
ثالثًا: البدء ببيع مَخزون ​الذهب​، علمًا أنّ هذا الخيار يتجاوز سُلطات المصرف المركزي وصلاحيّاته، ويتطلّب غطاء قانونيًا وسياسيًا واسعًا(1).
إشارة إلى أنّ المبلغ الذي يقول المصرف المركزي إنّه لا يزال يملكه لتوفير الدعم، يكفي لشهر واحد فقط، لكن مع ترشيد الدعم وتخفيفه، يُمكن تمديد هذه الفترة لشهرين كحدّ أقصى، وتحديدًا حتى بداية شباط 2021. ومن المَعروف أنّ مصرف لبنان يُؤمّن توفير ​الدولار​ات لتمويل عمليّات الشراء من الخارج، وذلك بنسبة 85 % من قيمة هذه المُشتريات الإجماليّة، وعلى سعر صرف يبلغ 1500 ليرة لبنانية لكلّ دولار. ودعم المَحروقات يستنزف نحو 400 مليون دولار شهريًا، بينما دعم ​الأدوية​ يستنزف نحو 100 مليون دولار شهريًا، في حين أنّ دعم ​الطحين​ يستهلك نحو 50 مليون دولار شهريًا، من دون إحتساب دعم بعض السلع الغذائيّة. وبالتالي، في حال رفع الدعم بشكل كامل وفوري، فهذا يعني أنّ الأسعار ستقفز دُفعة واحدة بمعدّل خمسة أضعاف، وهذا ما لا يُمكن أن تتحمّله شرائح واسعة جدًا من المُجتمع اللبناني التي إمّا سقطت تحت خط ​الفقر​ أو باتت على حافة السُقوط، بعد تراجع القُدرات الشرائيّة للعملة الوطنيّة بشكل خطير، بالتزامن مع فُقدان العديد من المُواطنين لوظائفهم كليًا أو جزئيًا.
وبالتالي الخيارات التي يتمّ درسها خلف الكواليس تشمل رفعًا تدريجيًا وجزئيًّا للدعم، وذلك عبر الإكتفاء بدعم نحو 40 سلعة غذائيّة أساسيّة فقط بدلاً من 300، وعبر الإكتفاء بدعم نحو 250 صُنفًامن الأدوية بدلاً من أكثر من 1500 صنُف حاليًا، وعبر رفع سعر صفيحتي ​البنزين​ و​المازوت​ بشكل تصاعدي، أو حتى من خلال إقتراح الرفع التدريجي للأسعار عبر إحتساب الفواتير كلّها على سعر صرف يبلغ 3900 ليرة لبنانية للدولار الواحد، بدلاً من 1500 ليرة لبنانية للدولار الواحد حاليًا.
لكن هذه الخيارات لا تُمثّل أيّ حلّ للأزمة، وهي ستُفجّر غضبًا شعبيًا واسعًا. والأكيد أنّ حلّ ​الأزمة​ يبدأ بتشكيل حكومة تُعيد الثقة وتؤمّن الإستقرار السياسي الداخلي، وتمرّ بإطلاق ورشة الإصلاحات لجهة وقف الهدر وترشيد الإنفاق ولجهة إطلاق التحقيق الجنائي في مصرف لبنان وكامل وزارات ومؤسّسات ​الدولة​ والشروع في مُكافحة ​الفساد​، وذلك للحُصول على ​القروض​ والمساعدات المالية الخارجية، ولا تنتهي عند جذب الإستثمارات عبر إعفاء المُستثمرين من ​الضرائب​ والرسوم المُختلفة، بهدف ضخّالأموال ​الجديدة​ في السوق اللبناني، وبالتالي إيجاد فرص عمل للشباب، ولكلّ العاطلين عن العمل، بما يكفل إعادة تحريك ​الدورة​ الإقتصادية بشكل مُثمر.
إشارة إلى أنّ سُلوك أيّ طريق غير المَذكور أعلاه سيُؤدّي إلى غرق لبنان واللبنانيّين أكثر فأكثر في مُستنقع الفشل والفقر والإفلاس. والحديث عن رفع الدعم بالتزامن مع توفير بطاقة إئتمانية لدعم الطبقة الفقيرة يسوده ثغرات هائلة، بعد التحوّل الضخم الذي طال الواقع المُجتمعي اللبناني، حيث لم تعد الأسر المُحتاجة مُقتصرة على بعض اللوائح المَوجودة لدى الدوائر الرسميّة اللبنانية، مثل ​وزارة​ الشؤون الإجتماعيّة وغيرها، بل صارت أعداد هذه الأسر أكبر بكثير، وهي غارقة حاليًا بالفقر، من دون أن يدري أحد بها، ومن دون أن تلقى أي مُساعدة. أكثر من ذلك، هل بقدرة ​الضمان​ الإجتماعي أو شركات ​التأمين​ تحمّل أي زيادات في أسعار فواتير الدواء؟!(2) وهل بإمكان أحد تحمّل رفع الأسعار عن مادتي المازوت والبنزين، حتى لو بشكل جزئي في المرحلة الأولى، علمًا أنّ هذا الأمر سيُؤدّي إلى رفع أسعار كل السلع الإستهلاكيّة، بسبب إزدياد كلفة النقل، وسيُسفر عن واقع إقتصادي ومالي كارثي لأغلبيّة واسعة من اللبنانيّين، في حين أنّ إبقاء الدعم على المَحروقات سيُؤدّي إلى إفلاس الدولة أكثر فأكثر(3).
في الختام، الأكيد أنّ رفع الدعم سيحصل في نهاية المطاف، والقوى السياسيّة ستكون مُضطرّة لتغطية هذا القرار غير الشعبي، تجنّبًا لإعلان إفلاس مصرف لبنان ومعه المصارف، وبالتالي إنهيار الدولة. وكل ما يحصل حاليًا هو مُحاولات لكسب بعض الوقت، وتأجيل المُشكلة، في ظلّ رهان على بدء وُصول الدعم الخارجي للبنان، علمًا أنّ هذا الدعم لن يحصل، ما لم تتمّ تشكيل حكومة جديدة، وما لم تنطلق ورشة الإصلاحات، وما لم تحصل تحقيقات جدّية لكشف ​حالات​ الفساد والهدر الهائلة التي نخرت جسد الدولة على مدى عُقود. فإلى متى الدوران في الحلقة المُفرغة أيّها المسؤولون؟!.


(1) بدء المصرف بإحصاء الذهب (60 % منه موجود في لبنان، و40 % منه موجود في ​أميركا​)، وقيمته الحاليّة غير معروفة بالتحديد، لكنّها لا تقلّ عن عشرة مليارات دولار.
(2) الفاتورة الدوائية تبلغ 500 مليار ليرة سنويًا حاليًا، وهي سترتفع خمسة أضعاف في حال رفع الدعم، بحيث ستُصبح قيمتها نحو 2500 مليار ليرة في حال رفع الدعم عن كامل الأدوية!
(3) يستنزف دعم المحروقاتبنسبة 85 % على سعر صرف يبلغ 1500 ليرة لبناية للدولار الواحد، لكلّ من شركة ​الكهرباء​ والتدفئة والتنقّل، نحو 5 مليارات دولار سنويًا!.