تعالت الاصوات العمّالية في اليومين الماضيين، داعية الى حشد اكبر عدد ممكن من المواطنين للنزول الى الشارع والتعبير عن سخطهم وغضبهم من تردّي الاوضاع الاقتصادية والمعيشية في ​لبنان​. حتى الآن، تبدو هذه الدعوات اكثر من مُحقّة واكثر من مطلوبة، خصوصاً وان التعقيدات في الشؤون السياسية والاقتصادية والمالية آخذة في التصاعد بدل ان تبدأ طريق انحدارها نحو الحلّ. ولكن، هناك كلمة اساسية لا يمكن اغفالها، تحمل معها سرّ هذه الدعوات وهي "لبنان"، لأنّه في هذا البلد تسقط كل الذرائع المنطقية والتحاليل الصائبة، وحتى قيمة ​الانسان​ وسعيه الى عيش حياة كريمة. ولأننا في لبنان، تبرز اسئلة كثيرة حول توقيت ومفهوم وسبب هذه الدعوات، والنزول الى الشارع، إذ لا يمكن في أي حال من الاحوال ان تُنسب هذه التحركات الى "​الثورة​" او ​الحراك الشعبي​ الذي شهده لبنان في 17 تشرين الأوّل من العام الفائت وتطور واخذ منحى مختلفاً خلال اسابيع واشهر. فهناك كان الحراك مختلفاً ولو ان الاسباب نفسها، الا ان الجوهر مختلف تماماً، كما الاسلوب ايضاً.

لطالما شكّل اللجوء الى الشارع قدرة مسؤول سياسي او اكثر على اثبات نفسه، واظهار مدى التأييد الشعبي الذي يحظى به، ولا يختلف هذا الامر اليوم. الجميع يعلم ان هذه التحركات لا تمتّ الى العفوية بصلة، وانها متّصلة بشكل وثيق ومتين بخلفيّات سياسية، مع العلم انّ الداعمين لمثل هذه الخطوة هم انفسهم الذين ما برحوا يطلقون تحذيراتهم في كل مناسبة، من أن اللجوء الى الشارع هو لعبة خطيرة قد يعرف المرء اين تبدأ ولكنه لا يعرف اين تنتهي، وسبب هذا التحذير هو ان لكل مسؤول شارعه وليس اسهل من وضع شارع في مقابل آخر، فيدفع ​الجيش اللبناني​ و​القوى الامنية​ الثمن عبر تدخلهما لضمان عدم حصول تجاوزات امنية خطيرة قد تطيح بالاستقرار الوحيد الباقي في البلد. اضافة الى ذلك، لم تنجح "الثورة" في كل ما بذلته من جهود وتضافر عدد من السياسيين لدعمها، في إحداث أي تغيير، ولو بسيط، في ​الحياة​ السياسية والقضائية والاقتصادية والمالية والشفافية، لا بل زادت هذه المواضيع تعقيداً وبتنا امام حقبة اكثر سواداً من قبل، فما الذي سيتغيّر يا ترى اليوم؟ واذا كان سياسيون هم الدعمين للتحركات، فبوجه من تُنَظَّم؟ اليس بوجه مسؤولين سياسيين آخرين؟ وهل هذا بالفعل هو الحلّ الناجع للأزمة غير المسبوقة التي يعيشها لبنان حالياً؟!.
واذا استرقنا السمع الى ما يتم التداول به في الصالونات السياسية، سيزداد الهمّ على قلوب اللبنانيين، لان ما يدور من كلام يفيد بأنّ هذه التحركات انما الهدف منها هو احراج شخصيات سياسية رسمية وغير رسمية، واعطاء دفع معنوي لشخصيّات اخرى قبيل زيارة الرئيس الفرنسي ​ايمانويل ماكرون​ الى لبنان، ليأخذ الاخير في الاعتبار مدى حجم ونفوذ داعمي هذه التحركات، ويضعها في الحساب عند قيامه بأيّ مبادرة او محادثات او اقتراحات لاعادة العجلة الحكوميّة، وبالتالي السّياسية، الى الدوران، خصوصاً وان الكثيرين يعتبرون ان هذه الزيارة هي الفرصة الاخيرة للبنان هذه ​السنة​، كي لا يضطروا الى الانتظار حتى العام المقبل لاستشراف اطر الحل أن في الربع الاول من ​العام الجديد​ او في النصف الاول منه، وفق تقديرات المتابعين السياسيين.
لن تقدّم هذه التحركات ولن تؤخّر شيئاً في الواقع الذي يعيشه لبنان، وهي حركة موقّتة لاثبات الوجود سياسياً وتعزيز الحظوظ للبعض للخروج من نفق مظلم دخلنا اليه منذ اكثر من سنة، وليس حالياً، لا تزال مفاعيله صالحة للاسف ولم يكن هناك في الاصل أي بصيص نور يؤشّر الى نهايته بعد افشال مبادرة ماكرون في شهر آب الفائت لغايات في نفوس الكثيرين.