الحظ العاثر يُلاحق ال​لبنان​يّين في كل مكان، وجديده إصابة الرئيس الفرنسي ​إيمانويل ماكرون​ بوباء ​كورونا​، الأمر الذي تسبّب بالتالي بإلغاء كلّ رحلاته الخارجيّة، بما فيها زيارته التي كانت مُقرّرة إلى لبنان مطلع الأسبوع المقبل، بحيث سقط معها الأمل بأن يلعب أيّ دور إيجابي في تحريك الملف الحُكومي المُتعثّر! وعلى خطّ مُوازٍ، تجمّدت ال​تحقيق​ات بشأن إنفجار ​مرفأ بيروت​، لكن ليس بسبب الحظ المَشؤوم، بل بسبب العراقيل المُتعمّدة التي جرى رميها بوجه المُحقق العدلي فادي صوّان! وبعد هذه التطوّرات، ما الذي يُمكن أن يحدث الآن على خطّي تشكيل الحُكومة وتحقيق إنفجار الرابع من آب؟.

في الملفّ الحُكومي، كانت الأمور قد بلغت أفقًا مَسدودًا، بسبب رمي رئيس الحُكومة المُكلّف ​سعد الحريري​ تشكيلة حُكوميّة كاملة، وعدم أخذ رئيس الجُمهوريّة العماد ​ميشال عون​ بها، بفعل مأخذه على عدم التنسيق معه كما يجب في تركيبتها على صعيدي الشكل والمَضمون، وقيامه في المُقابل بتسليم الحريري خريطة طريق أوّلية لعمليّة التأليف، الأمر الذي إعتبره داعمو رئيس الحُكومة المُكلّف تجاوزًا لصلاحيّات رئيس الحُكومة. وبينما كانت الآمال مُعلّقة على ما كان الرئيس الفرنسي سيقترحه من مخارج للأزمة، حتى لا تفشل المُبادرة الفرنسيّة برمّتها، جاء إلغاء الزيارة الرئاسيّة ثقيلاً على اللبنانيّين الذين تُركوا لمُعالجة مشاكلهم وحدهم. وعلى الرغم من مساعي التهدئة التي قام بها أكثر من طرف، ومن بينها "​حزب الله​"–كما تردّد، لوقف ما سُمّي حرب البيانات بين فريقي رئيس الجمهوريّة و"التيّار الوطني الحُر" من جهة،ورئيس ​الحكومة​ المُكلّف و"تيّار ​المستقبل​" من جهة أخرى، فإنّ الهُوّة بين الطرفين لا تزال عميقة، وبالتالي من المُستبعد جدًا حُصول أيّ حلحلة في الملفّ الحُكومي في المدى المَنظور. وبالتالي، طالما أنّ الخلاف على المعايير ​العريضة​ لعمليّة التشكيل، أي الإتفاق على التركيبة وتوزيع الحقائب والأحجام والأسماء غير قائم بين رئيس الجُمهوريّة ورئيس الحُكومة المُكلّف، لا مجال لإحداث أي خرق. وهناك من يقول، إنّه في حال سلّمنا جدًلا بأنّ فريق الرئيس تنازل عن "الثلث الضامن او المُعطّل"أو أن رئيس الحكومة المُكلّف قبل به، وفي حال جرى التوافق على الحقائب والأسماء في ما بينهما، ستواجه الحُكومة ​العقبة​ الفعليّة التي لا يتحدّث عنها أحد في المرحلة الراهنة، والتي تتمثّل في رفض "حزب الله" تغييبه عن الحُكومة، حيث ما أن تنتهي باقي العقد سيُطالب "​الثنائي الشيعي​" بأن يُدرج الأسماء الوزاريّة التي سيختارها بنفسه مع الحقائب في الحُكومة، وهو واقع يتجاهله رئيس الحكومة المُكلّف حتى تاريخه، مُتلهّيًا بالخلاف مع "التيّار الوطني الحُرّ"!.
وفي ملفّ تحقيقات إنفجار مرفأ بيروت، العقبات تتوالى أمام المُحقّق العدلي، حيث أنّه في إنتظار أن تبتّ ​محكمة التمييز​ الجزائيّة بطلب "الإرتياب المَشروع" الذي رفعه الوزيران السابقان المُدعى عليهما في الملفّ، بوجه القاضي صوّان، ستتوقّف عمليًا كل ​التحقيقات​ وكل الإستدعاءات. وفي حال قُبول الطلب من قبل محكمة التمييز، فإنّ نقل الملف إلى قاضٍ آخر يُواجه مُشكلة كبرى بسبب عدم وُجود ​مجلس وزراء​ أصيل لإختيار إسم المحقّق العدلي الجديد، خاصة في ظلّ الخلافات المُستفحلة بين الجهات والقوى السياسيّة المُختلفة. وحتى في حال ردّ الطلب من قبل محكمة التمييز، الطريق أمام مُواصلة التحقيق مليء بالعراقيل، حيث لا يُسهّل ​مجلس النواب​ مسألة التبليغ، ويتحصّن النوّاب المُدَّعى عليهم بحصاناتهم النيابيّة لعدم المثول أمام المُحقّق. أكثر من ذلك، تحصّن رئيس الحكومة المُستقيل ​حسان دياب​، بحصانة الموقع والمذهب، وإلتفّ عليه جَمعٌ من مسؤولي ​الطائفة السنية​ السياسيّين والدينيّين، إضافة إلى رئيس الحكومة المُكلّف ورؤساء الحكومات السابقين، خوفًا من أن تطالهم التحقيقات مُستقبلاً، خاصة وأنّ خُصومهم الكُثر يتّهمونهم بملفّات عدّة. وذهب بعض هؤلاء بعيدًا في إعتبار أنّ تهمة "التقصير والإهمال" تطال رئيس الحكومة والوزراء المعنيّين مثلما تطال رئيس الجمهوريّة، حتى لو أنّ هذا الأخير لا يملك سُلطات تنفيذيّة، حيث أنّه في النهاية رأس ​الدولة​ ويقف خلف تعيين العديد من القيادات الأمنيّة التي ثبت علاقتها بالملف والتي أطلعته على الوضع القائم في ​المرفأ​. وحتى لو عاد التحقيق وتحرّك، يتحضّر أكثر من طرف لمُهاجمة ما يعتبرونه حرفًا للتحقيق عن أهدافه والتلهّي بقُشور الإهمال والتقصير، بدلاً من البحث عن الجهة التي طلبت شحنة نيترات الأمّونيوم، وتحديد الوجهة النهائيّة لهذه المواد الخطرة، والجّهة التي كانت ستستفيد منها ماليًا وربما أمنيًا وعسكريًا، وكذلك تحديد الجهة التي أعطت التعليمات بحجز ​السفينة​ المَعنيّة في مرفأ بيروت، والجهة التي أمرت بتفريغ الحُمولة على أرض المرفأ، إلخ.
في الخُلاصة، يُفتّش اللبنانيّون الغارقون بمشاكلهم الحياتيّة والإجتماعيّة عن قشّة أمل للتمسّك بها، لكنّ حتى هذه القشّة غير موجودة حاليًا، لا على مُستوى تشكيل الحُكومة، ولا على صعيد كشف حقيقة كارثة إنفجار الرابع من آب!.