سجّل ​المجلس النيابي​ إنتصاراً جديداً على طريق إعادة التدقيق الجنائي الى السكّة الصحيحة، فحسم وبصيغة مطوّرة رفع السريّة المصرفية عن حسابات مصرف ​لبنان​ ولمدة عام، هذه الخطوة جاءت بعد أن رفض حاكم ​مصرف لبنان​ ​رياض سلامة​ سابقاً، بحجّة السريّة المصرفية، تسليم المستندات المطلوبة الى شركة "الفاريز اند مارسال" التي بدأت مهمة إجراء التدقيق في حسابات مصرف لبنان، وعادت واعتذرت نتيجة عدم حصولها على المعلومات.

أمام هذا المشهد رفض ​رئيس الجمهورية​ ​ميشال عون​ مسألة التراجع عن موضوع التدقيق الجنائي وطالب المجلس النيابي برسالة "بضرورة التعاون مع ​السلطة​ الإجرائيّة لتمكين ​الدولة​ من إجراء التدقيق المحاسبي الجنائي في حسابات مصرف لبنان"، مشدّداً على أنّ "التدقيق ينسحب إلى سائر مرافق الدولة العامة تحقيقاً للإصلاح المنشود وبرامج المساعدات التي يحتاجها لبنان راهناً".

رسالة الرئيس


بتاريخ 27/11/2020 إجتمع ​مجلس النواب​ لمناقشة رسالة ​الرئيس عون​ وأصدر قرارا يقضي بأن تخضع حسابات مصرف لبنان والوزارات و​المصالح المستقلة​ والمجالس والصناديق والمؤسسات العامة بالتوازي للتدقيق الجنائي من دون أي عائق أو تذرع بسرية مصرفية أو خلافه.
وفي ​الجلسة التشريعية​ التي عقدت بتاريخ 21/12/2020 أقرّ رفع ​السرية المصرفية​ عن حسابات مصرف لبنان ولمدّة سنة. وهنا يشرح الخبير الدستوري الدكتور ​عادل يمين​ عبر "النشرة" أن "عدّة اقتراحات قدمت في هذا الخصوص تمّ دمجها وإقرار رفع السرّية المصرفية لمدّة عام فقط"، مشيرا الى أنه "وفي حال إنتهت مهلة ​السنة​ ولم ينجز التدقيق الجنائي يمكن اللجوء الى تعديل المدّة الزمنية فيه".

علامات استفهام؟


في حين يرى المحامي أنطوان شنيعي عبر "النشرة" أن "القانون الذي أقرّ في الجلسة التشريعية بات يحمل صفة الالزام وحاكم مصرف لبنان ملزم بتنفيذه"، واضعاً في نفس الوقت علامات استفهام حول مدّة السنة، ومضيفا: "لماذا لم يلجأ مجلس النواب الى إرفاق القانون الذي يرفع السرية المصرفية لمدة عام بعبارة قابلة للتمديد بموجب مرسوم، لأنه وبهذه الطريقة لا يعودون الى مجلس النواب بعد إنتهاء المدّة"؟.
يعود عادل يمين ليؤكّد أن "هذا القانون حسم وبشكل كلّي الجدل حول رفع السرّية المصرفيّة عن حسابات مصرف لبنان مع العلم مع وجود رأي لهيئة التشريع والاستشارات في ​وزارة العدل​ يؤكد عدم خضوع الحسابات في ​المصرف المركزي​ خلال التدقيق الجنائي للسرّية المصرفية". بدوره يعتبر المحامي شنيعي أن "​المال​ العام هو ملك الناس ولا يخضع للسريّة المصرفية، وعلى القضاء أن يقوم بواجبه ب​التحقيقات​ وعندها ترفع السرية المصرفية".

السريّة غير ملزمة!


"مع اقرار القانون أصبح حاكم المركزي مُجبرا أن ينفذ"، هذا ما يؤكده شنيعي، مشيرا في نفس الوقت الى أن "السرية المصرفية في حال التدقيق الجنائي ليست مُلزمة، مثلا في حالة تبييض الأموال لهيئة التحقيق الخاصّة في مصرف لبنان الحقّ برفع السرّية المصرفيّة عن الحسابات للتأكّد إذا ما كان هناك تبييض أموال أم لا".
في المحصّلة، حسم قانون رفع السرّية المصرفيّة الذي أقرّ بالأمس الجدل، ليبقى الأهمّ هل فعلاً سيسير التدقيق الجنائي على الطريق الصحيح أم أنّ المتضررين منه يعدّون العدّة لمفاجآت جديدة منعاً لتحقيقه، وهذا ما يتوقّعه اللبنانيّون الّذين لم يعُد ثقة لهم بالدولة وأهدابها المترهّلة؟!.