انتظر الجميع وصول الرئيس الفرنسي ​ايمانويل ماكرون​ الى ​لبنان​ بهدف "تنظيم" الخلاف الحاصل بين القوى اللبنانية، ولابلاغ رسالة واضحة مفادها ان مبادرته التي لم تمت كلياً، باتت تحظى بالدعم الاوروبي الشامل اولاً وبرضى اميركي ثانياً، وبالتالي يجب على اللبنانيين التكيّف مع هذه المعطيات والتحرك بفاعلية لتشكيل حكومة وعدم انتظار الفترة المقبلة التي يتسلم فيها الرئيس المنتخب ​جو بايدن​ مقاليد الحكم بشكل رسمي، لانه عندها قد تتغير الشروط الدوليّة وتصبح اكثر قساوة على لبنان والسياسيين على حد سواء.

ضرب وباء ​كورونا​ ضربته، وقلب زيارة ماكرون رأساً على عقب فوضعه في الحجر الصحي والغى نشاطاته ومنها الزيارة الى لبنان، وعندها لم يكن من بدّ لتحرك من نوع آخر، فقامت "ملائكة ماكرون" في لعب هذا الدور وكان على خطين دولي ومحلي. على الصعيد الدولي، كانت ​اوروبا​ حاضرة بتصاريح سرية وعلنية تدعم من دون شروط ​فرنسا​ ومبادرتها، ولكن الاهم كان ما اعلنه ​وزير الخارجية​ الاميركي ​مايك بومبيو​ قبل ساعات من لقاء ​رئيس الجمهورية​ برئيس ​الحكومة​ المكلف، حول استعداد ​واشنطن​ للتوسط بين ​اسرائيل​ ولبنان لمعاودة المفاوضات البحرية بينهما. قد يكون هذا الامر مرّ مرور الكرام على البعض، ولكنه في الواقع يحمل دلالات كبيرة في التوقيت، فبومبيو الذي سيغادر منصبه قريباً، هو من "صقور" ​الادارة الاميركية​ الحالية وقد غاب عن السمع في الفترة الاخيرة ليترك لبنان يتخبط في مشاكله، لا بل زاد الاميركيون من الخناق المفروض في الآونة الاخيرة ولم يتدخلوا على خط المفاوضات التي توقفت، رغم اهميتها بالنسبة اليهم ولاسرائيل وللبنان بطبيعة الحال. لذلك، هذه الاستفاقة المفاجئة لم تكن عفوية، بل اتت ضمن رسالة اراد الاميركيون ايصالها بأنهم هذه المرة سيلعبون وفق الاصول في ما تقتضيه المبادرة الفرنسيّة، وقد يكون مرد ذلك لتسليهم بالهزيمة في ​الانتخابات الرئاسية​ اولاً، ولتأكيد ان النفوذ الاميركي باق في المنطقة بشكل عام ومنها لبنان الذي لن تتخلى عن حصتها من النفوذ فيه.
في المقابل، كان الملائكة المحليّون يتلقفون المبادرة، وعلى هذا الاساس تحرك ​حزب الله​ الذي بات معروفاً انه اجرى اتصالات وقام بمشاورات بعيدة عن الاضواء لترطيب الاجواء، وكان تحرك مهم للمدير العام للامن العام ​اللواء عباس ابراهيم​ في هذا السياق ايضاً حيث قام بجولة مكوكية على الاطراف، ومنها على سبيل المثال لا الحصر رئيس ​مجلس النواب​ ​نبيه بري​ ورئيس الحكومة المكلف ​سعد الحريري​، وبالطبع كان المخرج الاكبر العلني عن طريق ​البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي​ الذي حرّك الامور علناً عبر الغطاء المسيحي الذي يؤمّنه لتركب الاحجية من دون عناء كبير. وليس بعيداً عن هذا التوجه، كان لمّ شمل ​المجلس النيابي​ في خطوة كان يمكن ان تحصل في وقت سابق، والاهم فيها انها تضمنت قرار رفع ​السرية المصرفية​، وهو امر صبّ في خانة رئيس الجمهورية الذي سرعان ما "قطفها" باعلان تقديره لهذه الخطوة ولتجاوب مجلس النواب مع رسالته.
كل هذه الامور تضافرت لنصل الى التفاؤل الذي اعلنه رئيس الحكومة المكلف مساء امس من ​بعبدا​، والذي من المرجح ان يستمر اليوم ايضاً، وفق المعطيات التي توافرت عبر المصادر والقنوات المعهودة لاستقاء المعلومات، ما يؤشر الى نجاح "الملائكة" في طرد الشياطين من ​تفاصيل​ الحكومة العتيدة التي ينتظر ان تقوم بالكثير، ليس بفضل جهدها الخاص، بل عبر الجهود الدولية والدعم الذي ستتلقاه من مختلف دول ​العالم​، بحيث ستكون اداة تنفيذية فقط للوضع الاقتصادي، فيما ستعلّق الامور السياسية الرئيسية الى مرحلة لاحقة، لان قطار المرحلة لا يحمل معه مواد تفجيرية للوضع في المنطقة، بل ثلاجات تستعد لاستقبال المواضيع الحساسة والساخنة. الامور متوقّفة على عدم قيام عقدة دولية في ​الساعات​ القليلة المقبلة تنسف جهود الملائكة المحليين، وما علينا الا الانتظار.