" مشهد صادم «… «منظر مخزٍ»…»انهيار الديمقراطية»… «الانقلاب الفاشل»… «انقلاب على نتائج الانتخابات»… «الفوضى»… «ديمقراطيتنا هشة»… هذه العبارات وغيرها الكثير مما يشبهها او من فصيلتها لم تصدر عن أعداء ​اميركا​ في ​العالم​ بل صدرت عن المسؤولين الاميركيين أنفسهم وحلفاء اميركا في الغرب الأوروبي والأميركي، تلفظوا بها وهم يصفون ما حصل في 6/1/2021 في «​واشنطن​». نعم في «واشنطن دي سي» عاصمة ​الولايات المتحدة​ الأميركية، حيث أقدمت جماعات… ميليشيات… عصابات… جماهير… سمّها ما شئت، المهمّ أنها أقدمت على اقتحام ​مبنى الكابيتول​ حيث كان ​الكونغرس الأميركي​ بمجلسيه مجتمعاً للمصادقة على نتائج ​الانتخابات الرئاسية​ التي أكد عليها المجمع الانتخابي قبل شهر وفقاً لما كانت أفضت اليها الانتخابات الرئاسية قبل شهرين.

رفض الرئيس الحالي والمرشح الخاسر ​دونالد ترامب​ الاعتراف بالهزيمة أمام ​جو بايدن​ وأصرّ على القول بانّ الانتخابات سرقت وزوّرت وانّ هزيمته كانت نتيجة السرقة والتزوير لذلك لن يعترف بها، وانه سيلج باب المؤسسات القضائية والدستورية للاعتراض لتحصيل حقه المدّعى بالرئاسة، لكن ​المؤسسات الدستورية​ التي هدّد بها او لجأ فعلاً إليها لم تستجب لطلباته ولم تنصفه كما كان يتوقع فلجأ الى ​الدواء​ الأخير «الكيّ» الذي تمثل بدعوة أنصاره ل​اقتحام الكونغرس​ وتعطيل عملية المصادقة على النتائج، وبالتالي تعطيل اعلان ثم منع تنصيب بايدن رئيساً للدولة في 20 من الشهر الحالي.


استجاب «المؤيدون لترامب» وهبّوا الى ساحة الكونغرس حاملين راياتهم التي تدلّ على أنهم عصابات منظمة، وبطبيعة الحال مسلحة، ف​السلاح​ واقتناؤه وحمله ونقله واستعماله في الولايات المتحدة حقّ لأي مواطن، واقتحموا المبنى وفرّ النواب والشيوخ كالفئران المذعورة من أمامهم وكسر في المبنى ما يمكن تكسيره وسرق ما يمكن سرقته وأطلقت النار في داخل المبنى في مشهد جعل المسؤولين الأميركيين وعلى رأسهم بايدن يصف المشهد بأبشع الاوصاف ثم يعترف ان «ديمقراطيتنا هشة»، اما الآخرون فقد عبّروا عن صدمتهم او وصفوا المشهد بالمخزي، او ذهبوا الى أبعد من ذلك بالقول سقطت او انتهت الديمقراطية في اميركا…

اما نحن فاننا نرى في ما حصل تعبيراً حقيقياً عن حقيقة المجتمع الأميركي وهي حقيقة تناقض ما يتغنّى به المسؤولون الأميركيون ويروّجون له من قبيل القول بأنّ «العناية الإلهية» أرسلت ​أميركا​ لتقود العالم وتقيم ​العدل​ و​الأمن​ والسلام فيه، او القول بأنّ أميركا من واجبها ان تنشر الحرية والديمقراطية في العالم، او ادّعائها بأنّ أميركا هي الحارس او المدافع عن ​حقوق الانسان​، ثم القول ان انتهاك أيّ نظام سياسي لأيّ حق او مصلحة مما تقدّم يبرّر لاميركا التدخل لمعاقبته التقويم سلوكه وصولاً الى تغييره فإنْ لم يكن تغييراً بالوسائل السلمية، فلا ضير ان يكون بالقوة و​العنف​ والتغيير وصولاً الى استعمال الجيوش واحتلال الدول وإسقاط أنظمتها وتدمير مؤسّساتها كما فعلت مؤخراً في ​العراق​.

فأميركا وبناء على ما منحته لنفسها من حق التدخل في شؤون الدول تطبيقاً لنظرية ابتدعتها هي “التدخل الدولي الإنساني» التي اطلقتها في مواجهة نصوص واحكام القانون الدولي العام التي تحفظ سيادة الدول واستقلالها وترفض التدخل القسري في شؤونها، بناء على هذه النظرية المبتدعة سنت القوانين التي تطبّق على الدول والشعوب الأجنبية وحاصرتها وفرضت ال​عقوبات​ عليها وأقامت من نفسها جهة فوقية عالمية أناطت بنفسها عملية التأديب والمعاقبة لكل فرد او كيان او دولة على مساحة المعمورة اذا وصفته بانه «ينتهك «قواعد حقوق الانسان او العدالة او الديمفراطية» إلخ…

لقد أقامت اميركا موقعها الدولي هذا على القوة ومن غير حق يبرّرها، وهي القوة التي استعملتها لاستباحة حقوق الىخرين ثم راكمتها تباعاً منذ العام 1945 أيّ منذ انتصارها في الحرب العالمية الثانية، انتصار صنعته لنفسها مع حلفائها بالنار والحديد والأعمال الحربية ثم كان دور ​المال​ والاقتصاد حيث فرضت نقدها نقداً عالمياً وأخيراً حمت كل تلك القوة المركبة بأنظمة منظومات دولية جعلتها تتربع في نهاية المطاف على عرش العالم وتدّعي لنفسها الحقوق التي ذكرنا أعلاه. وبواقعية وموضوعية نقول انّ أميركا تمكنت ان تقيم إمبراطوريتها على مساحة العالم كله، والتي تترجم بشكل او بآخر عبر سلوكيات وعلاقات تنسجها او تلجأ اليه بتحالف غير متكافئ او تبعية او سيطرة او محاصرة وملاحقة وعقوبات.

بيد أن هذه الإمبراطورية التي قامت في الأساس على القوة في الحرب، (الحرب العالمية الثانية) ومكّنت او تمكنت من رفع مستواها خلال ​الحرب الباردة​، والتي بها اجتاحت العالم بأربعة حروب متتالية (​الخليج​، ​أفغانستان​، العراق، ​لبنان​) وأغرقت ​الشرق الأوسط​ بالدماء والدمار خلال ما أسمته «الربيع العربي»، هذه القوة التي مكنت تلك الإمبراطورية من ​سرقة أموال​ العالم، وامتهان تجويع الشعوب عبر ما تسميه «العقوبات على الأنظمة التي لا ترحم شعوبها»، هذه القوة بدأت تتصدّع ما يؤدي الى تصدّع الإمبراطورية إنذاراً بسقوطها اليوم من خلال انكشاف حقيقتها وافتضاح امرها، حيث إن يوم الكونغرس الطويل في 6/1/2021 كشف حقيقة هذه ​الدولة​ وحقيقة الوهن فيها:

ـ فالديمقراطية التي تدّعيها اميركا وحكم المؤسسات فيها، بدا وبوضوح كلي انها كذبة وخدعة كبيرة، ومن “فضائل غباء ترامب وموضوعيته» انه اتخذ من التدابير وأصدر من التوجيهات والأوامر ما فضح هذا الامر. فأميركا كانت تنصّب نفسها قاضياً وحاكماً يحدّد شرعية هذا او ذاك من الحكام في العالم او مشروعية او نزاهة هذه او تلك من الانتخابات، وإذا بها تجد نفسها امام من يقول بأنّ انتخاباتها مزوّرة وغير نزيهة وغير مشروعة وأنها الأسوأ من أيّ انتخابات في العالم الثالث كما يقول ترامب رئيسها الحالي نفسه. ما يقود الى الطعن بشرعية الرئيس القادم تماماً كما تطعن اميركا بشرعية رؤساء دول ترفض الانصياع لها.

ـ أما حكم المؤسسات وانتظام عملها فقد وضعه يوم 6/1/2021 تحت علامة استفهام كبيرة من خلال رفض هذا او ذاك من المسؤولين الاستجابة لطلبات المحافظة على الأمن وتبرّع هذا او ذاك بإرسال الحرس الوطني الى واشنطن وقطع آلاف الكلومترات للوصول اليها.

ـ وعن التماسك الوطني والقومي، فقد ظهر وبوضوح الانقسام الحادّ على أسس عرقية او دينية او اثنية أخرى وسلط الضوء على الظلم وانتفاء العدالة الاجتماعية كما و​الفقر​ الذي سرعان ما ترجم سرقة ونهب وتكسير بمجرد ان سنحت الفرصة لذلك.

فإذا عطفنا ما ظهر في الداخل الأميركي من نقاط وهن وثغرات ضعف ذكرنا بعضها، فاذا عطفناها على صورة أميركا في الخارج والخسائر الاستراتيجية التي تحل بها بدءاً من تراجع الهيبة، ​المقاومة​ وجودها واحتلالها وصعوبات استمرار نفوذها فضلا عن وجود قوى دولية صاعدة تتأهّب لإزاحة اميركا عن مواقعها الدولية المتقدمة، فإننا بكلّ بساطة نقول ان «إمبراطورية أميركا تتأهّب الى الزوال». ونتذكر هنا سنّة التاريخ اذ ما من امبراطورية دامت واستمرت الى الأبد لكن الإمبراطورية الاميركية ستكون ​الأقصر​ عمراً بين الامبراطوريات…

تزول امبراطورية القهر، فيرتاح العالم من شرها وتدخلها وأذاها المباشر وغير المباشر، وعلى العاقل ان يتبصّر ولا ينتظر حتى اللحظة الأخيرة لصنع مصيره على ضوء ما يُرتقب وما يستجدّ…