يجتمع اللبنانيون طوابير أمام الأسواق لشراء ما يفوق حاجياتهم اليومية والأسبوعية، وربما الشهرية أحياناً، رغم أنّهم يعانون من عدم وفرة المال. ليس السبب متعلقاً بإجراءات كورونية، ولا الخوف من إطالة أيام الإقفال العام، بقدر ما هو يعبّر عن فقدان الثقة بالسلطات الحكومية والرسمية المسؤولة عن إدارة البلاد. لو كان المواطن يُدرك أن أجهزة الدولة قادرة على تأمين حاجياته الضرورية، أو هي تستطيع تنظيم برنامج معيشته، كما فعلت الصين مثلاً في ذروة تصدّيها لإنتشار فايروس ​كورونا​، لما كان التزاحم سيحصل أمام الأسواق.

أين يقصّر المسؤولون؟
تبدأ الحكاية بعدم الإرتقاء السياسي الى مستوى التحديات التي يواجهها لبنان: يزداد التباعد السياسي يومياً فيما يتعلق بعملية تأليف ​الحكومة​. لا يبدو أن هناك بصيص أمل جدّي بحصول إتفاق على إيجاد مخرج حكومي. تحوّلت الشروط المُتبادلة على خطي بعبدا-​بيت الوسط​ إلى وجهات نظر سياسية، وباتت فيها المطبّات الجوهرية تتراكم.
عندما طرح الكاردينال الماروني البطريرك ​مار بشارة بطرس الراعي​ إجراء مصالحة بين رئيس الجمهورية ​ميشال عون​ ورئيس الحكومة المكلّف ​سعد الحريري​، هو إنطلق من "وجوب الحل"، لكن التصريحات والتغريدات التي سبقت ولحقت حراك الراعي، توحي بأن العلاقة بين كل من رئيس الجمهورية، ورئيس التيار "الوطني الحر" النائب ​جبران باسيل​ من جهة، والحريري من جهة ثانية، ساءت جداً، و"إنكسرت الجرّة" بين حليفين سابقين.
ومن هنا لا تؤشر المعطيات إلى إمكانية تحقيق تقارب بين فريقين أساسيين يشكلان ركني الحكومة العتيدة، بعدما إستسلمت قوى الداخل في محاولات تقريب المسافات بين بعبدا وبيت الوسط، أو هي حيّدت نفسها عن الجدل السياسي القائم، لعلمها أن اللحظة ليست مؤاتية لفرض حلّ سياسي حكومي في لبنان.
هل ينتظر اللبنانيون تسلّم الرئيس الأميركي المُنتخب ​جو بايدن​ زمام السلطة في ​البيت الأبيض​؟
تؤكد كلُّ المحطات السابقة أنّ العواصم الدولية لم تخض تجربة الرعاية المباشرة لتفاصيل لبنانية. دوماً، كانت راية الرعاية في أيدي قوى إقليمية: هذا ما فعلته السعودية في مؤتمر الطائف، ثم عبر سوريا، وصولاً إلى مؤتمر الدوحة. حالياً، ينشغل الإقليم بإضطراباته المتدرّجة وقلقه، ولا يعير لبنان أي إهتمام وازن. لا نيّة للسعودية ولا لأي دولة عربية رعاية أي خطوة لبنانية. ولا قدرة لأي عاصمة إقليمية غير عربية على فرض حل لبناني. مما يعني أن الأزمة اللبنانية مفتوحة لحين توافر نيّة إقليمية لرعاية توافق لبناني مطلوب. وبما أن العواصم المحيطة بلبنان تترقّب مسار ​الإدارة الأميركية​ ​الجديدة​ وكيفية مقاربة بايدن لملفات الإقليم، في وقت سيكون فيه الرئيس الأميركي الجديد مشغولاً بأزمة ولاياته، فلا بشائر حلول سريعة ولا مشاريع توفيقية مستوردة من الخارج إلى لبنان قريباً.
يبقى الحل الداخلي هو الحل المُتاح في حال "صفت النوايا"، وهي العبارة التي قالها رئيس ​مجلس النواب​ ​نبيه بري​ للبطريرك الراعي خلال ​اتصال​ بينهما منذ أيام. لكن صفاء النوايا مفقود عند جملة حسابات، أهمها أن الأفرقاء المعنيين يتمسكون بالأثلاث "الضامنة" أو "المعطلة" أو الممسكة لزمام الحكومة. ومن هنا تتظهر أزمة الثقة بين هؤلاء، ليبدو أمر المصالحة وحده غير كاف، في حال لم تتوافر البيئة الحاضنة لتسوية إعتاد اللبنانيون ان يرعاها أحد النافذين في الإقليم. هذا ما يؤكد أن الحل السياسي ممكن، لكنه مرهون بمجريات الإقليم.
وإلى حينها، ستزداد معاناة اللبنانيين صحيا واقتصاديا واجتماعياً ومالياً، وهم ينصتون بقلق الى كلام رئيس وزراء "بريطانيا العُظمى" يلوّح بحصول أزمة إضافية، نتيجة عدم قدرة بلاده على تأمين مزيد من الأوكسجين المطلوب لمرضى كورونا. هذه المملكة المتحدة، فماذا لو حلّ الأمر في لبنان؟! هل يتحمل الظرف مزيداً من الترف السياسي؟.