ما ورد في كتاب "الصُّهيونيّة والسّياسة العالميّة"، الصّادر في العام 1921، بأَنّ "مُستقبل ​فلسطين​ بأَكمله، هو في أَيدي الدّولة الّتي تبسط سيطرتها على الليطاني واليرموك ومنابع الأُردن، ما يعني السّيطرة على الجُولان"، هو خير دليلٍ على المعرفة والإِدراك المُبكر لأَهميّة المنطقة في الأَمن المائيّ لمشروع الدّولة الصُّهيونيّة الآتية. فمنطقة الجُولان المُحتلة تمتاز بغزارة مياه الأَمطار الّتي تسقط عليها سنويًّا، خلال ثمانية أَشهر، وبما يُقارب 1.38 مليار متر مُكعب سنويًّا، وهي بالتّالي تُعتبر أَغزر أَمطار ​سوريا​.

كما وتُطلّ على مُرتفعات الجُولان قمّة جبل الشّيخ، الّذي تكسوه الثُّلوج طَوال العام، ويحتوي على أَكبر مخزون مياهٍ في المنطقة العربيّة. وبسبب غزارة مياه الأَمطار الّتي تسقط على الجُولان، وتركيبته الجيولوجيّة، فإِنّ ذلك يُساعد في تخزين ​المياه​ في جوف الأَرض، وبالتّالي فإِنّ المنطقة غنيّةٌ بالمياه الجوفيّة والينابيع والآبار مثل: "بيت جنّ"، و"الوزّانيّ"، و"النّخيلة"، و"الدّب"، و"الصيّادة" والكثير من الينابيع والآبار الجوفيّة الّتي تشكّل روافد أَساسيّة لنهر الأُردن و"نهر اليرموك"، و"وادي الرّقاد"، و"بُحيرة طبريّا"، و"بُحيرة مسعدة".
ولمأْسسة السّيطرة على موارد الجُولان المائيّة وتثبيت ذلك، أَقامت إِسرائيل عددًا مِن المشاريع مثل: "مشروع بركة رام" (برخوت رام) وهي عبارة عن فتحةٍ بُركانيّةٍ قديمةٍ (حوالي 400 أَلف متر مُكعب) وهي مصدرٌ رئيسيٌّ لمياه الزّراعة في المناطق الشّماليّة مِن الجُولان الّتي تستغلّها شركة "ميكيروت" الإِسرائيليّة للزّراعة في المُستوطنات، و"مشروع مجمّع ​القنيطرة​ المائيّ"، الّذي نفّذته شركة "مي جولان" الزّراعيّة الإِسرائيليّة في العام 2006، على مساحة 200 دونمٍ، وعلى بُعد أَمتارٍ قليلةٍ مِن خطّ وقف إِطلاق النّار في العام 1973 بين سوريا وإِسرائيل.

مُستقبل الصّراع

إِنّ أَهميّة المياه بالنّسبة إِلى المنطقة وإِلى إِسرائيل، تجعل منها عاملًا حاسمًا في الصّراع العربيّ-الإِسرائيليّ، لما للأَمن المائيّ مِن أَهميّةٍ وارتباطٍ بمسأَلة الأَمن الغذائيّ، وبالتّالي فإِن الاحتلال الإِسرائيليّ، سيتمسّك بكُلّ قُوّته بمنطقة الجُولان، حتّى يضمن استمرار حياة ملايين ​اليهود​ الّذين يعيشون داخل حدوده.
لطالما عملت "​إسرائيل​"، وفي شكلٍ حثيثٍ، على تثبيت وجودها في الجُولان، مِن خلال مُضاعفة الجهد ​الاستيطان​يّ، وتنفيذ مشاريع استثماريّةٍ فيه، ومُحاولة استغلال كُلٍّ الموارد الموجودة في هذه المنطقة، واستقطاب رُؤوس الأَموال والمُستوطنين، للاستقرار في الجُولان المُحتلّ، وربطهم بمصالح يتمّ تنفيذها في هذه المنطقة. كما وتعمل "إِسرائيل" على تثبيت هذا الواقع، لجعله غير قابلٍ للتّغيير، أَو منع العرب مِن التّفكير في تغييره، مُراهِنةً في ذلك على تكثيف الاستيطان وزيادة الاستثمارات فيه.
"إِسرائيل" اليوم، أَصبحت تتحدّث عن "وجودٍ تاريخيٍّ" لليهود في الجُولان، كما وتُمارس ضغوطًا في شكلٍ مُستمرٍّ على الإِدارة الأَميركيّة للاعتراف بالسّيادة الإِسرائيليّة على الجُولان. ولا تكاد تخلو دعايةٌ انتخابيّةٌ لأَيٍّ مِن الأَحزاب الصُّهيونيّة المُتنافسة، مِن تأْكيد "العُمق الاستراتيجيّ لإِسرائيل في الجُولان" المُحتلّ...
وقد قال يومًا رئيس قائمة "درع إِسرائيل" بني غانتس: "لن نتنازل عن مُرتفعات ​الجولان​"، مُكرّرًا تصريح رابين التّاريخيّ بحرفيّته. ولكنّ أَهل الجُولان الباقين، ما زالوا مُتمسّكين بهُويّتهم وعُروبتهم، فيما تشهد المنطقة كلّها مُتغيّراتٍ كبيرةً، حتّى أَنّ "إِسرائيل" نفسها، تُدرك جيّدًا أَنْ ليست كُلّ هذه المُتغيّرات لمصلحتها.
لم تكُن أَطماع دولة الاحتلال الإِسرائيليّ التّاريخيّة بهضبة الجُولان عبثًا، بل يأتي ذلك مِن معرفتها بالأَهميّة الاستراتيجيّة والجُغرافيّة لها، إِذ تُعدّ مِن أَفضل الأَماكن في المنطقة مِن حيثُ امتلاكها كميّاتٍ وفيرةٍ مِن المياه العذبة، علاوة على ارتفاعها عن سطح الأَرض. كما وتعلم "إِسرائيل" جيّدًا أَهميّة الهضبة بالنّسبة إِلى أَمنها، إِذ يُوفّر احتلالها حُدودًا يُمكن الدّفاع عنها مِن أَيّ هُجومٍ برّي، إِضافة إِلى أَنّ من خلال مُرتفعاتها، يُمكن إِصابة أَيّ هدفٍ في شمال الأَراضي المُحتلّة بنيران المدفعيّة، وفق الموقع الإِلكتروني لـ"وزارة خارجيّة" الاحتلال.