إِلى جانب النّزاعات المائيّة في الشّرق الأَوسط، ثمّة نزاعاتٌ أُخرى على ​المياه​ في كُلٍّ مِن إِيران والقارة الأَفريقيّة، غير تلك الّتي سبق وأَشرنا إِليها في ملفّ "سدّ النّهضة"، وهي كُلّها تُنذر بحروبٍ قد تندلع في المنطقة في أَيّ لحظةٍ، ناهيك عن الجفاف الّذي يضرب ​دول الخليج​ العربيّ ولم تجد له حلًّا مُناسبًا، عدا دولة الإِمارات العربيّة المُتّحدة، الّتي اعتمدت التّوعية باستخدام المياه، واستخدام المشاريع الضّخمة لتصفية المياه الجوفيّة وتحلية مياه البحر، ما جعلها الوحيدة المكتفية من الطّاقة المائيّة، فيما تعيش دُول كثيرةٌ حولها حالةً مِن الجفاف، أَبرزها السّعوديّة الّتي تُشكّل الصّحراء النّسبة العُظمى مِن أَراضيها، ما يرفع مِن نسبة اندلاع الحرب على خلفيّة الصّراع على المياه!. وبدلًا مِن أَن تندلع الحرب ​العالم​يّة الثّالثة بهدف التّوسُّع والسّيطرة، قد نشهد حربًا عالميّةً على المياه، ويعتقد المُحلّلون في هذا الإِطار أَنّ الحرب على المياه آتيةٌ لا محالة!. وتُشير المُعطيات السّابقة في شكلٍ جليٍّ، إِلى أَنّ أَزمة المياه، ستمثل مُستقبلاً أَكبر تهديدٍ يُواجه المنطقة... وعليه، يعتبر المُحلّلون أَنّ الحرب الأَكبر الّتي سيشهدها الشّرق الأَوسط خلال القرن الجاري هي "حرب المياه". وإِذا لم يتدارك صُنّاع السّياسية، المخاطر المُترتّبة على أَزمة المياه في منطقتنا، فمِن المُؤَكَّد حتمًا أَنّ أَيّ حربٍ جديدةٍ، ستُفاقم حجم المُعاناة، وتزيد الأَوضاع بُؤسًا على بؤسٍ... كما وأَنّ اندلاع أَيّ حربٍ، سيُؤَدّي إِلى تعطيل المشاريع التّنمويّة، سواء في دول المنبع أَو دول المصبّ؛ وبذلك لن تكون خسائر المهزوم أَكبر بكثيرٍ مِن خسائر المُنتصر، في هذا النّوع من الحُروب الَّتي يُهزم فيها الجميع، ولا ينتصر أحدٌ سوى الحرب نفسها.

العامل الحيويّ


وتُعتبر المياه عاملًا حيويًّا في حياة الشُّعوب، والعنصر الأَساسيّ في رسم سياسات الدُّول الكُبرى، وتعتمد عليها غالبيّة الدُّول في شكلٍ كبيرٍ لبناء المُدن على ضفافها، وزيادة الكثافة السُّكّانيّة. ويشهد ملفّ المياه في العالم العربيّ تحديدًا، الكثير مِن الأَزمات والصُّعوبات الّتي تلوّح بجفافٍ قد يُطاول الكثير مِن الدُّول، وتُهدّد بصراعاتٍ طاحنةٍ، قد تندلع على منابع المياه، فيما يُؤَكّد الجميع أَنّهم عازمون على الحرب، للدّفاع عن حصصهم مِن المياه العذبة، ما يُنذر بحربٍ شرسةٍ في العالم العربيّ، تُعتبر المياه أَحد أَهمّ أَركانها!.

السّيطرة على المياه


وعلى مرّ السّنوات الطّويلة، غالبًا ما كانت الحُروب تندلع بهدف توسيع السّيطرة والنُّفوذ، وحتّى الانتقام في بعض الأَحيان، وبخاصّةٍ بين إِمبراطوريّاتٍ عُظمى... ومع مُرور السّنين، تحوّلت الحُروب إِلى السّيطرة على منابع الطّاقة كالنّفط و​الغاز​ والمعامل الثّمينة... وأَمّا اليوم، فالعالم مُقبلٌ على حربٍ جديدةٍ على أَغلى مصدرٍ للطّاقة في الكوكب، وهو المياه الّتي تُغطّي 72 في المئة مِن سطح الأَرض والّتي حوّلته إِلى "الكوكب الأَزرق". وعلى رغم النّسبة الكبيرة مِن المياه إِلَّا أَنّ أَكثر مِن 97 مِنها غير صالحةٍ للاستهلاك البشريّ لأَنّها مالحة. وأَمّا المياه العذبة فتُشكّل 2,8 في المئة فقط من مجموع المياه المُشار إليها، وثمّة 2,1 في المئة مِن الثُّلوج المُتجمّدة. وبهذا يكون 0,7 في المئة مِن المياه العذبة هي المُتاحة فقط للاستهلاك البشريّ، وعليها يتحارب العالم أَجمع، وتحديدًا في المنطقة العربيّة الّتي تُعاني فيها ثمانية دُولٍ مِن شحٍّ في المياه.
لقد قيل قديمًا -وعن حقٍّ- "إِذا أَردت أَن تقضي على دولةٍ، فاقطع عنها المياه العذبة". ولقد كانت الخطّة الأُولى للعرب للتّصدّي لإِسرائيل وزوالها، خطّة تحويل منابع المياه الّتي أَقرّتها "جامعة الدُّول العربيّة"، في العام 1964، والّتي تتضمَّن تحويل اثنين مِن مصادر نهر الأُردن، ومنعها من الاندفاع نحو "بُحيرة طبريّا"، ما يُؤَدّي إِلى إِحباط خطط إِسرائيل باستخدام المياه في مشاريعها، ويُجبرها على الرُّضوخ لأَيّ شيءٍ للحُصول على المياه. إِلَّا أَنّ إِسرائيل منعت استكمال المشروع، بضربها لمقرّه في ​سوريا​ في العام 1967. تلك الخُطّة العربيّة كان وصفها المُختصّون بالـ"عبقريّة" لو نجحت. وأَكّدوا أَنّ التّحكُّم بمنابع المياه، إِنّما هو أَحد أُسس هذه الخطّة. ويُعتبر الصّراع العربيّ-الإِسرائيليّ قائمًا في شكلٍ أَساسيٍّ على المياه. فاليوم، وبعد مُرور أَكثر مِن 50 عامًا على خطّة تحويل منابع المياه، تعود حُروب المياه إِلى الواجهة، في مصر و​العراق​ وسوريا ولُبنان وتُركيا والسُّودان وأَثيوبيا وإِيران.