بقي التشكيك لدى كثيرين خارج ​الولايات المتحدة​، حول ما إذا كان الرئيس الاميركي الجديد ​جو بايدن​ سيعطي الاولوية للوضع الداخلي على الوضع الخارجي، وهم لا يزالون مقتنعين حتى ​الساعة​ انه سيسير في هذا المسار حتى بعد القائه كلمته الرسمية بعد تنصيبه رئيساً ل​اميركا​. تذرّع اصحاب هذا الرأي بأنّ اولى قرارات بايدن تضمّنت عودة اميركا الى الساحة الخارجيّة والانتفاض على ما كان فعله سلفه ​دونالد ترامب​ في هذا السياق. لكن الواقع يشير الى عكس ذلك، فبايدن كان قلقاً من أنه اول رئيس اميركي في التاريخ الحديث لم يتسلّم مهامه من سلفه الذي فضّل إقامة حفلة وداع خاصة به حتى بعد انقلاب نائبه جو بانس عليه ومشاركته في حفل التنصيب تاركاً ترامب من دون وداع. كلمة بايدن كانت كافية لرسم خريطة طريقه: وحدة الاميركيين بأيّ ثمن، ما يعني عملياً التفرّغ في الفترة الاولى من تولّيه الرئاسة الى ترتيب البيت الداخلي على كل الصعد: شعبياً وسياسياً وصحياً ودبلوماسياً واقتصادياً وعسكرياً، وهو سيصبّ تركيزه في المرحلة الاولى على هذا الامر تحديداً قبل الانتقال الى ما عداه من امور أكانت داخلية او خارجية. وعلى الرغم من اعلان المتحدثة باسم ​البيت الابيض​ جين ساكي ان بايدن سيجري سلسلة اتصالات قبيل انتهاء الاسبوع مع حلفاء اصدقاء في الخارج لعرض مسائل دوليّة، الا انّ هذا لا يعني ان الهمّ الخارجي على الصعيد الدبلوماسي سيكون اولوية.

صحيح ان الرئيس الجديد وقّع فور دخوله المكتب البيضاوي على قرارات لها طابع دولي (كعودة واشنطن الى حضن منظّمة الصحّة ​العالم​يّة، واتّفاق ​باريس​ للمناخ الذي كان محطّ ترحيب الرئيس الفرنسي، وتجميد بناء الجدار الحدودي مع ​المكسيك​، ورفع قيود السفر عن بعض الدول ذات الأغلبيّة المسلمة...) الا انّ كل هذه الاجراءات لها طابع داخلي. فالانضمام الى منظمة الصحّة العالميّة له مردود ايجابي على الوضع الصحّي في اميركا، والدكتور انطوني فاوتشي سيعقد اجتماعات مع ممثلي المنظمة بهدف الحد من فلتان هذا الوباء في اميركا التي تزعّمت العالم في نسبة الاصابات والوفيات، وذلك رغم البدء باعطاء اللقاح للمواطنين والذي كان يعتمد عليه ترامب لتراجع الارقام المخيفة التي تسجّلها بلاده في هذا المجال.
وفي ما خصّ الانضام الى اتفاقيّة باريس للمناخ، فقد اظهرت الارقام ان بقاء اميركا خارج هذه الاتفاقية ينعكس سلباً عليها بالدرجة الاولى، ويضعها في موقف حرج تجاه العالم اجمع كما يضع مواطنيها في خطر كبير جراء الاجواء المسمومة المنبعثة من الغازات و​المصانع​ والتي تهدّد ب​تغيير المناخ​ بشكل عام في العالم وفي الولايات المتّحدة بشكل خاص.
والحديث نفسه ينطبق على الجدار الحدودي مع المكسيك ورفع قيود السفر عن الدول ذات الغالبية المسلمة، فهو انما يهدف بذلك الى تخفيف الاحتقان الداخلي الذي ساد لدى الاميركيين من اصول مختلفة وخصوصاً مكسيكية وعربية مسلمة، وهو اراد بذلك اعادتهم الى الحضن الاميركي وضمان عدم تعاظم الاحتقان لديهم والتسبب بمشاكل في الشارع، بعد ان ضمن تهدئة الاميركيين من أصول افريقية وطمأنتهم من خلال اختياره ​كامالا هاريس​ السوداء البشرة نائبة له. كما انّه من شأن رفع القيود عن السفر للدول ذات الغالبية المسلمة، قد يدفع الى تحسين الظروف الاقتصاديّة للاميركيين الذين يجدون انفسهم اليوم في حاجة للتغلب على الركود الاقتصادي المخيف الذي يعانون منه بسبب وباء ​كورونا​.
كل هذه المواقف وغيرها، لن تعني بطبيعة الحال ابتعاد بايدن عن المشاكل الخارجيّة او النأي بنفسه عن ملفّات غاية في الاهميّة تتعلق بالامن العالمي، ومنها طبعاً الملف الايراني، ولكنه يعني بما لا يقبل الجدل ان الاولوية المطلقة حالياً بالنسبة الى الادارة الاميركيّة ​الجديدة​ هي تحصين الوضع الداخلي للانطلاق منه الى تعزيز الحضور الخارجي، وهذا سيتطلب فترة من الوقت غير محددة ما إذا كانت ستطول ام لا.