منذ السابع عشر من تشرين الأول من العام 2019، تسعى القوى والشخصيات السياسية اللبنانية إلى البحث عن أي وسيلة تعيد من خلالها إعادة إنتاج نفسها، لكن ليس عبر طرح المشاريع والبرامج، التي من الممكن أن تخرج البلاد من الأزمات التي تمر بها، بل عبر تكريس مفهوم الزبائنية السياسية، الذي كانت قد أبدعت به على مدى سنوات طويلة، عندما تعاملت مع إدارات ومؤسسات وصناديق ​الدولة​ على أساس أنها "البقرة الحلوب"، التي تستطيع من خلالها إرضاء المحسوبين والأنصار.

اليوم، لا يبدو أن هناك من وسيلة أفضل من وباء كورونا ل​تحقيق​ هذه الغاية، نظراً إلى حالة القلق التي يشكّلها على المستويين العالمي والمحلّي، لذلك خرجت العديد من تلك القوى والشخصيّات، في الأيّام الماضية، إلى الإعلان عن رغبتها في إستيراد كميّات من اللقاح، في حين هي لم تقم بواجبها، طوال الأشهر الماضية، لناحية مراقبة عمل الإدارات المختصّة، لتأمين وصول اللقاح بأسرع وقت وبإمكانيّات تكفي جميع المقيمين، أو لناحية زيادة قدرة ​المستشفيات الحكومية​ والخاصة لتفادي الوصول إلى الكارثة.
هذه ليست المرة الأولى، التي يسعى فيها هؤلاء إلى محاولة تلميع صورتهم، فهم قبل ذلك لجأوا، في بداية ​الأزمة​ المالية والإقتصادية، إلى "كرتونة" الإعاشة بهدف إستغلال الواقع الذين يتحمّلون هم المسؤوليّة عنه، سواء كانوا مشاركين في الجريمة التي حصلت أو كانوا من الساكتين عن المسؤولين عنها.
وعند ظهور ​فيروس كورونا​، لم يتردّدوا في الدخول بمنافسة شرسة حول الإجراءات التي من الممكن القيام بها، سواء لناحية الإعلان عن قدرات صحّية ضخمة، لا سيما على مستوى مراكز الحجر، أو عن إطلاق عمليّات تعقيم واسعة النطاق، إلا أنّه عند إنفجار الكارثة غاب الجميع عن السمع، وبات تحميل المواطن المسؤوليّة هو كلمة السر التي يردّدها هؤلاء على مدى ساعات ​النهار​، فالمواطن يمكن أن يكون غير مسؤول ويرتكب الأخطاء أمّا هم فلا، ولا يمكن أن يحصل ذلك بأيّ طريقة من الطرق.
أمام هذا الواقع، هناك الكثير من الأسئلة من الممكن أن تطرح فيما لو نجحت تلك القوى والشخصيّات في الحصول على كميّات من اللقاح في نهاية المطاف: هل ستشترط على من يحصل على جرعة أن يقترع لها في الإنتخابات المقبلة، أو أن يعلّق صورة أو راية لها أمام أو على سطح منزله؟ وماذا عن المواطنين الذين يكونون خارج الدائرة الإنتخابيّة التي ليس لهم فيها طموح سياسي، هل من الممكن أن يشملهم عطفها أم أنّ هذه اللقاحات مخصصة للأنصار والمؤيّدين فقط، وهل سنشهد منافسة بين ما قد يقدّمه هؤلاء من نوعية لقاحات؟.
في المحصّلة، الأيّام المقبلة ستكشف الكثير من الإبداع، الذي من الممكن أن يصل إليه هؤلاء، في سبيل إستغلال حاجات الناس، إلا أنّ الأكيد أنّ هؤلاء لا ينظرون إلى اللقاح اليوم بوصفه أداة من الممكن أن تخلص البشريّة من وباء خطير، بل بوصفه إداة زبائنيّة جديدة من الممكن أن تساهم في زيادة الشعبيّة لا أكثر.