«الله، الله على تلك الأيام يا أم النور... ما كان أروع جنوننا الجماعي ونحن نصرخ في الشوارع، بعد إعلان الحاكم عن بدء المعركة، كنّا نلتصق ببعضنا راصّين الصفوف لنصبح جسداً واحداً نهتف بصوت واحد: «ثورة، ثورة حتى النصر»، والعدو يقذفنا بإصبعه الوسطى.

كانت الصحف تخبرنا أنّ ​العالم​ مشغول بنزاعنا مع العدو، ​أميركا​ و​الاتحاد السوفياتي​ لا هَمّ لهما إلّا قضيتنا، ونحن نصدّق.


تعرفين أنني ولدت في ​باب التبانة​، تلك البقعة المعذبة في أطراف ​طرابلس​، وعشت في أوحالها، ولعبت في مقابرها. قبورنا هناك لا تسوّر بالحديد، كما يفعل أبناء العائلات، حاملي الدماء الزرقاء، بل هي مفتوحة ومباحة لاستقبال الغرباء، ولقضائهم حاجتهم، فالأشجار العالية فيها والحشائش السريعة النمو تستمد حياتها من أجساد الموتى وفضلات الأحياء. باب التبانة، حيث المرض والموت هما استفقاد منه سبحانه، تعلّمت فيها القسوة والجرأة من ​الأطفال​ الهائمين في الشوارع، لأنّ قسوة آبائهم عليهم نَمّت في أعماقهم القسوة على الآخرين.




كانت باب التبانة بقعة زيت كبيرة على الساحة الطرابلسية... صحيح انّ شعب التبانة صمد طويلاً، لكنّ القذائف الشقيقة كانت أقوى من ​الإنسان​، فانهزم أمام التهديم والتهجير، وتوزعت العائلات وضاعت في الأحياء، فتفككت ​اللحمة​ التي كانت تشدّهم وتحولت ذكريات، ولم يعد يجمع أهل التبانة إلا تلك المقابر حين يُرجعون إليها مرغمين.


حين أفكر بأهل حارتي، أوهِمُ نفسي بأنني أوفَيتهم حقهم عليّ، لكنني سرعان ما اكتشف أنهم مقيمون في عروقي مع دمي. الحزن، تعلّمته من أهلها الفقراء، فإحساسي المبكر بالظلم من البشر الذي تعرّض له أبي بسببي، والفوارق الاجتماعية التي عشتها منذ نشأتي في هذا الحي المَرمي على حافة طرابلس، وأهله الذين زحفوا من قراهم يحملون حاجياتهم وعاداتهم وذلّهم الموروث من سطوة الإقطاع في الريف، فضاعوا بين المدينة والريف، رماني في سوداوية قاسية منذ طفولتي».


وسط ​الهذيان​ العنيف الذي يعمّ مدينتي طرابلس، وبالأخص في مرتع طفولتي باب التبانة، عادت بي الذاكرة الى هناك الى والدتي التي كانت، ككثيرات من النساء العلويات، تلبس اللباس الغربي وتخرج سافرة في الحي، ولم يعيّرها أحد يوماً بذلك. كما أنّ عمّاتي ​المنقبات​ اللواتي لم يقطعن يوماً فرضاً في ​الصلاة​، وكن يقضين نصف أيام ​السنة​ تقريباً في ​الصيام​ وفي التعويض المبالغ عن أيام فاتَتهنّ، عمّاتي لم تحاول احداهنّ يوماً أن تقنع والدتي بممارسة أيّ من شعائر ​الدين​.


في ليالي القيظ كنّا نقضي السهرة على سطح منزلنا الصغير المَنسي ضمن أكوام من الأبنية العشوائية على ضفة ​نهر أبو علي​ في أيام عزّه، وكان سور السطح مدروزاً بشجيرات الياسمين. وفي المناسبة فقد كان زهر الياسمين بمثابة «ديودوران» في تلك الأيام حين كان الحمّام وتبديل الثياب يحدث فقط في المناسبات! المفارقة هي انّ والدتي كانت تقصّ علينا، بوجود عمّاتي، العديد من الأساطير المرتبطة بالاعتقادات العلوية حول الإمام علي، ولم تكن تشعر بالحرج من أن تحاول إقناع الجالسين بأنّ وجه الإمام يظهر في صفحة البدر عند اكتماله.


لم أسمع يوماً اعتراضاً على ذلك لا من والدي المتهَكّم بطبعه ولا من عماتي ولا حتى جدي أو جدتي. وبصراحة فقط عشتُ طفولتي وأنا متعاطف بشدة مع مظلومية الإمام في مكيدة «صفين» وقصة التحكيم الى درجة بتّ أتصَوّر معاوية بن أبي سفيان بأنه الشر المستطير.




ذاكرتي الثانية تعود الى السيدة «محاسن»، كانت قصيرة القامة، ممتلئة، عيناها زرقاوان مائلتان الى ​الرمادي​، وكانت تضع الكحل وأحمر الشفاه في شكل مبالغ فيه، وترفع شعرها المصبوغ دائماً بإتقان، كالكعكة على رأسها، وتلبس ​الكعب العالي​ والفساتين ذات الخصر المشدود.


الست «محاسن» كانت امرأة مسيحية من أصول تركية، تسكن عند أطراف باب التبانة، ولكنها كانت تأتي الى بيت جدتي في شكل دائم، فكانت عمّاتي يتحلّقن حولها ليسمعن حديثها الأنيق، والأهم لتكشف لهنّ الحظ في فنجان القهوة، لم أعلم يوماً عن دينها إلا عندما سألت عن الصليب الذهبي الذي كانت تضعه كـ«بروش» على ثيابها.


هل تعلمون أيضاً ان في التبانة كان هناك حَي اسمه حي السيدة (العذراء)، وانّ في هذا الحي ​كنيسة​ قديمة وصغيرة، وهناك تعرفت الى صديق طفولتي بولس الذي كان يسكن مع أهله الفقراء فوق متجر والدي في عمق باب التبانة.

كان بول، كما كنّا ندعوه، قوي البنية وشجاعاً، وكنت معه ومع رفيق عمري الثاني حسن، الذي لم يكتشف بأنه شيعي إلّا عندما أصبح شاباً لأنّ عمي أبو حسن، الدركي القادِم من ​بعلبك​، كان يصرّ على أبنائه بأنّ دينهم هو ​لبنان​، كنّا نشكل عصابة ثلاثية لا تفترق، وكنّا نخوض المعارك مع عصابات أخرى من صبية باب التبانة. والمُفارقة انني لم أتوقف عن محبّة بول حتى عندما أخبرني بأنه هو واخوته يتدربون على القتال مع ميليشيا حزب «الكتائب».


ذاكرتي أيضاً تعود الى العم بدر مرجان، لم أعد أذكر الآن ما كان يبيعه في دكانه الصغير قرب متجر والدي، كان باب الدكان من الخشب القديم والزجاج، كان يغلقه مساء من دون أن يقفله قائلاً «لا يوجد شيء يحرز للسرقة». عمّي بدر كان ضئيل القامة، في العقد السابع، تظهر هموم العمر وشقاؤه على تقاسيم وجهه، لكنّ عينيه كانتا خضراوين تشعان ذكاءً ومعرفة. كان العم بدر العلوي يرفض أن يصنّف على هذا الأساس، مؤكداً أن دينه هو دين الطبقة العاملة وجنّته هي عندما تتحقق الرؤيا ​الشيوعية​، وكان يتحلق حوله بعض من أصبحوا لاحقاً قادة الجبهات العسكرية، وجُلّهم من السنّة، ليسمعوا منه الدرس حول حتمية انتصار البروليتاريا. لم أعلم ماذا حلّ بعمي بدر بعد أن قسّمت باب التبانة الى فسطاتَين يسكن في كل منهما عمال فقراء يتقاتلون كلما سنحت لهم الفرصة بذلك.


لمَن لا يعلم، لم يكن هناك في الماضي شيء اسمه «بعل محسن» يسكنه العلويون، فالكل كان يسكن في باب التبانة، ومعظمهم كانوا من الوافدين الى المدينة بحثاً عن الرزق. كانوا يسكنون في بيوت من تنك، ومن بعدها عندما بنوا بيوتهم كانت متداخلة وسطوحها مشتركة، وفي بعض الأحيان يتقاسمون حتى الحمامات وبيوت الخلاء. في حي السيدة بالذات كانت بيوت السنّة والعلويين والمسيحيين تتشابك في نسيج عجيب غريب، وكان كبار السن يجلسون قبل الغروب على الرصيف يلعبون «المنقلة» ويشربون المتّة، وإن تجرّأ أحدهم على أن يعيّر الآخر بمعتقده، زَجره أهل الحكمة ودفعوه مباشرة الى الاعتذار والرجوع عن غِيّه.




كلّ ذلك كان قبل أن حلّت لعنة ​النظام السوري​ على طرابلس منذ ستٍ وثلاثين سنة، لتتحول من المركز الاقتصادي لطرابلس الى جرح دائم تُلهبه الأحقاد والهواجس والدسائس، وأحياناً الأساطير.


طرابلس هي جزء من لبنان، وهي في حاجة الى الرعاية لا للعزل ليبقى لبنان.