رغم كلّ الأزمات التي يمرّ بها ​لبنان​، تبقى ظاهرة "الإستثمار السّياسي بالدماء" أسوأ ما أنتجته تقاليد السّياسة اللّبنانية، فالحملة التي شُنّت على "​حزب الله​"، بعد لحظات من الإعلان عن اغتيال الناشط السياسي ​لقمان سليم​، ليست غريبة، ولكنّ الجديد هذه المرّة هو مستوى الإسفاف الذي وصل إليه البعض.

قبل أشهر، كانت الوقائع الثّابتة كفيلة بكشف أكاذيب البعض الّذين حمّلّوا "حزب الله" مسؤوليّة ​انفجار مرفأ بيروت​ ونسجوا الرّوايات من مخيّلاتهم الواسعة، ليتبيّن فيما بعد أنّ الإنفجار ناتج عن تخزين "نيترات الأمونيوم" ولا علاقة للحزب بالحادثة، واليوم، التّضليل مستمر والإتّهامات جاهزة ومُعدّة مسبقًا لتحميل الحزب مسؤولية اغتيال سليم.

عزل ​البيئة​ الحاضنة


اتّهام الحزب، وإن كان في الشّكل يُفسَّر على أنه سياسي، إلّا أنّه في المضمون يأتي ضمن سياق عزل البيئة الحاضنة له، فهناك من يريد تصوير جمهور الحزب على أنه مختلف عن بقيّة اللّبنانيين ولا يشبههم، وإلصاق تهمة الرّجعية والتّخلّف والانعزال بجمهور عريض، هذا ليس تحليلًا بل هو توصيف واقعي لمسار الأمور، وما كتبته إحدى الصحافيات وتناقلته أكثر من وسيلة إعلامية، بأنّها استدلّت على منزل سليم من خلال رائحة ​الكتب​ وأنّ الرّاحل كان غريبًا عن البيئة التي ينتمي إليها، وذهاب البعض إلى إعتبار مراسم تشييع سليم جعلت ​الضاحية الجنوبية​ لبنانية للمرّة الأولى، ليس إلّا نموذجاً عن الهجمة التي تتعرّض لها هذه البيئة.

الحزب و"الصّبر"


حزب الله متيقظ لحالة الغليان في شارعه، وأمينه العام ​السيد حسن نصرالله​ كان واضحا في توجّهه إلى أنصار الحزب في 14 آب 2020 ودعوتهم إلى الإستمرار في ضبط النّفس والحفاظ على الغضب أمام حملات التّشويه الّتي يتعرّض لها، واليوم يدرك جيّدًا أنّ السّعي مستمرّ لجرّ بيئته إلى الإقتتال في الشّارع، وسلاحه في هذه المعركة حتّى الآن هو "الصّبر" كي لا يكون جمهوره وقودًا في معركة يُرادُ استدارجهُ إليها، وهو يتصرّفُ من موقع القويّ الّذي لا يتأثّر بضجيج الفتنويّين.
الحقيقة في مشهد وداع "لقمان"
من جهة أخرى، كان لافتًا مشهدُ الوداعِ الأخير للقمان سليم في "معقل حزب الله" ب​حارة حريك​، حضور السّفيرة الأميركيّة ​دوروثي شيا​ ليس تفصيلا ولا يمكن إلّا التوقف عنده، وهي الّتي قيل أنّها ألغت زيارة للجنوب قبل مدّة لدواع أمنيّة، عدد كبير من الشّخصيات التي تكنُّ العداء للحزب شاركت في التّشييع، النّائب السّابق ​أحمد فتفت​ على سبيل المثال، إعتبر أنّ مشاركتهُ بمثابة رسالة للإرهابيين القتلة، وهنا لا بدّ من طرح السّؤال: كيف لضاحية حزب الله، كما يحلو للبعض تسميتها، أن تحتضن كلّ هؤلاء المجاهرين بالعداء له دون أن يحصل "ضربة كف"، أليس مشهدُ التشييع فضيحة لأكاذيبهم؟.

الأمنُ و​القضاء


أمامَ الجنونِ الحاصل والتّحذيرات الّتي نسمعُها من عودة مسلسل الإغتيالات، من غير المسموح أن تبقى ​الأجهزة الأمنية​ والقضاء اللّبناني في موقع المتفرّج، ومن غير المقبول ألّا تصل التّحقيقات إلى نتائج واضحة وملموسة تكشف كافّة خيوط الجريمة وإطّلاع الرّأي العام عليها، فإبقاؤها غامضة لا يخدم إلّا جانبين، الفتنويّين والقاتل الحقيقي، بينما يعيش لبنان اليوم أسوأ مرحلة في تاريخه وعلى الجميع العمل لسحب عوامل التّفجير لا تغذّيتها.

الإعلام مسؤوليّة


أخيرًا، لا يمكن المرور على التشنّج الحاصل في السّاحة اللبنانية دون التّطرق إلى الدّور التّحريضي لبعض الإعلام، فكيف لها أن تفتح وأي وسيلة لإتهامات عشوائية قبل صدور النّتائج الأوّلية للتّحقيقات؟ هل بات الخطاب المتطرّف وإثارة النّعرات ونسج الأكاذيب والرّوايات البوليسيّة من وظيفة البعض في الجسم الإعلامي؟.
الإعلام في لبنان أمام مسؤولية كبيرة اليوم، ففي ظلّ الواقع المأساوي الّذي نعيشه على أكثر من صعيد، بعيدًا عن الشّعارات الفارغة الّتي تتحدّث عن الوحدة الوطنية والعيش المشترك وما شابه، المطلوب كأضعف الإيمان التّوقف عن التّحريض وتعزيز الغرائز وسوْق الرَّأي العام إلى معارك لا تغني ولا تسمن من جوع.