في الوقت الراهن، بات من السهل في مكان رصد الواقع في أي مجتمع من خلال متابعة النقاشات القائمة على ​مواقع التواصل الإجتماعي​، حيث تظهر، بشكل مباشر، أفكار وآراء المواطنين من الأحداث الطاغية من دون أي مواربة أو تكاذب، على عكس ما هو الحال على أرض الواقع، حيث اللقاء المباشر قد يخفف من حدة لغة التخاطب في غالبيّة الأحيان.

الكثير من العوامل قد تساهم في إرتفاع حدة التوتر في أي مجتمع، من الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية والسياسية إلى الظروف النفسية والشعور بالخطر الوجودي، وصولاً إلى ​العجز​ عن إمكانية التوصل إلى حلول، لكن المفارقة اللافتة أن جميعها تجتمع في الحالة ال​لبنان​ية، الأمر الذي قد يكون له تداعيات خطيرة في ​المستقبل​ القريب.
في المرحلة الماضية، نتيجة حالة الإنقسام القائمة منذ العام 2005 في البلاد، تحول معظم الناشطين العاملين على مواقع التواصل الإجتماعي إلى مجموعات من الجيوش الإلكترونية المستعدة لدخول أي مواجهة مع بعضها البعض، الأمر الذي ساهمت الأحزاب والتيارات السياسية في تعزيزه من خلال تنظيمها لحضورها على تلك المواقع، التي بات يتم التعامل معها كما لو أنها مجرد خلايا حزبيّة.
تلك المواقع، سبق أن سببت بالعديد من الخلافات التي انتقلت في بعض الأوقات إلى الشارع، سواء بين الحلفاء أو الخصوم، الأمر الذي دفع ببعض الأحزاب أو التيارات إلى تشكيل لجان مشتركة لتنظيمها بشكل أو بآخر، بغض النظر عن نسبة نجاحها في ​تحقيق​ هذا الأمر نظراً إلى أن ​حالات​ التفلت لا تزال حاضرة بقوة، لكن في جميع الأحوال بات يتم التعامل معها على أساس أنها المسرح الأساسي لعمليات التنافس السياسي، نظراً إلى أن المواطنين يمضون معظم أوقاتهم في متابعتها.
في المرحلة الراهنة، تعاظم الحضور على هذه المواقع، خصوصاً أن الغالبية من المواطنين مجبرة على البقاء في منازلها بسبب الإجراءات التي تفرضها خطة مواجهة إنتشار ​فيروس كورونا​ في البلاد، حيث من المفترض أن تكون هي المتنفس الأساسي لهم لتمضية أوقاتهم، الأمر الذي رفع من حدة المواجهات أو المعارك التي تخاض بين الناشطين إلى الحدود القصوى، ما يتطلب التوقف عنده بشكل سريع قبل فوات الآوان.
في هذه الأيام، تكفي جولة صغيرة على هذه المواقع لرصد حالة ​المجتمع اللبناني​، خصوصاً عندما يكون هناك مواجهة سياسية بين فريقين أو أكثر، من الحلفاء أو الخصوم، حيث يتبين بشكل سريع أن البلاد تعيش حالة من ​الحرب الباردة​ التي قد تتحول في أي لحظة إلى ساخنة، بحيث ينتقل الناشطون فيها سريعاً من الجلوس وراء أجهزتهم الإلكترونية إلى الوقوف خلف المتاريس العسكرية، لإطلاق الرصاص على بعضهم البعض.
في الصورة الأشمل، الواقع الذي يمر فيه لبنان من المفترض أن يقود إلى واحد من مسارين: تعزيز التضامن بعيداً عن الإنقسامات نظراً إلى الأزمات التي يعاني منها المواطنون هي نفسها، أو تعزيز الإنقسام نتيجة العوامل المذهبية والطائفية والمناطقية، إلا أن ما يحصل على مواقع التواصل الإجتماعي يوحي بأن المسار الثاني يتعزز يوماً بعد آخر، الأمر الذي تتمناه معظم القوى السياسية التقليدية لأنه يساعدها في إعادة إنتاج نفسها بشكل أو بآخر.