اعتدنا في ​لبنان​، عند كل خلاف في الرأي اكان سياسياً ام اقتصادياً ام مالياً ام اجتماعياً، ان يتحرك الشارع تحت ستار الحراك السلمي، ليتحول بعدها بسحر ساحر الى حراك تخريبي والى اضطرابات امنية متنقلة تنهك ​الجيش​ و​القوى الامنية​ للسيطرة عليها واعادة الوضع الى طبيعته. كان غريباً على اللبنانيين الا يشهدوا منذ اسابيع عديدة اي تحرك في الشارع في هذا الاتجاه، خصوصاً بعد تفاقم المشكلة السياسية والتعقيدات التي برزت وتبرز على اكثر من صعيد. وبقدر ما رغبنا في ان نفرح في تصديق ان تأخير مثل هذه التحركات يعود الى الوعي والقلق من انتشار وباء ​كورونا​، الا انه تبيّن وفق ما تتناقله المصادر والمعلومات، ان السبب يعود الى خارج لبنان، وبالتحديد الى عدم رغبة الدول الخارجية بعد في وصول الامور الى هذا المنحى. هذا الامر لا يعني اننا بتنا في امان تام من امكان معاودة المواجهات والاضطرابات الامنية، الا انه يؤكد ان المسألة لا تزال في مرحلة التصعيد السياسي والكلامي فقط، وهذا ما منع رؤساء الاحزاب السياسية والتيارات الحزبية من تمرير الرسائل الى اتباعهم للنزول الى الشارع واحداث فوضى (على غرار ما حصل في ​طرابلس​ مؤخّرًا)، والتلطّي بشعارات الجوع و​الفقر​ والعوز وغيرها من الامور المحقّة التي يعيشها اللبناني، الا ان القصد منها يكون سياسياً للاسف.

لا يبدو ان الاجواء مهيأة لاخراج لبنان من صيغته التأسيسيّة القديمة لبناء صيغة جديدة، حيث ان الجهود منصبة حالياً على "ترقيع" المشكلة وفق ما هو متيسّر من معطيات، ريثما ترتاح ​الادارة الاميركية​ ​الجديدة​ الى وضعها وتبدا بالعمل بنشاط على الجبهات التي وضعتها خارج الحدود الجغرافية للولايات المتحدة. وحتى الآن يقتصر التحرك على ​اوروبا​ و​روسيا​ بشكل خجول، فيما ينشط الرئيس الفرنسي ​ايمانويل ماكرون​ لاعادة الاعتبار لنفسه وبلاده من البوابة اللبنانية، وهذا يشكل بارقة الامل الوحيدة التي يتمسك بها ​اللبنانيون​، ويستغلها بعض السياسيين لتسجيل النقاط وتعزيز نفوذهم وصورتهم. ومن الصعب فعلاً الوقوف خلف ما قاله رئيس ​مجلس النواب​ ​نبيه بري​ حول ان الازمة الحكومية "من ديّاتنا" وداخليّة بحتة، لانه لو كان الامر كذلك لكانت حُلّت المشكلة فيالشارع وأُريقت الدماء كما كان يحلو للزعماء السياسيين ورؤساء الاحزاب والتيارات ان يفعلوا، ولكنّا استعجلنا بالتالي التدخل الدولي لانهاء الموضوع وترتيب تسوية ترضي الجميع بنسب نفوذ متفاوتة، انما تبقى الافضل وفق الظروف الحالية.
لا ثقة محلّية بالمسؤولين اللبنانيين، ولا ثقة خارجيّة بهم، ولكنهم يتغذّون على حساب مناصريهم واتباعهم الذين لا يزالون يراهنون عليهم دون ان ينزعوا غطاء العين الموضوع لمنعهم من الرؤية الصحيحة لما يحصل منذ سنوات طويلة.
وبناء على ما تقدّم، قد ننعم ببعض الوقت دون اضطرابات واحداث امنية متنقلة، وقد يستفيد الجيش والقوى الامنية من فترة راحة نأمل ان تطول، فيما تبقى المشاكل الاخرى حاضرة بقوة وترخي بثقلها على اللبنانيين جميعاً، الى ان تأتي "كلمة السر" الخارجيّة بوجوب احداث خرق على الساحة، فتنتظم الامور السياسية علىالاقل، ليتبعها انتظام مالي واقتصادي سيأخذ وقته حتماً انما سيكون ضمن سياق متدرج نحو الامام وليس وفق مسار منحدر ينزل الى ما دون الهاوية، لتنقشع الصورة اخيراً عن اننا خسرنا احبّاء لنا واضعنا أشهر كثيرة من عمرنا وعمر اولادنا سدى، فيما تعززت صورة المسؤولين ورؤساء الاحزاب والتيارات السياسية ليضمنوا استمراراهم على طاولة النفوذ اللبناني، والتحكم بشريحة كبيرة من اللبنانيين وفق ذرائع عديدة اولها العصب الطائفي والمذهبي، وليتحوّل فجأة اعداء الامس الى اصدقاء اليوم والعكس صحيح، في انتظار ما ستحمله السنوات المقبلة من تطورات ستؤدّي حتماً الى تغييرات في الخريطة السياسية والاقتصادية والمالية للبنان.