قد تكون الإطلالة الأخيرة للأمين العام لـ"​حزب الله​" ​السيد حسن نصر الله​، واحدةً من المرّات "النادرة" التي يعطي فيها الرجل الملفّ الداخليّ، ولا سيّما الحكوميّ المأز,م، حيّزًا واسعًا من كلمته، في ظلّ "الجمود" الذي يسيطر على الملفّ، وفشل كلّ "الوساطات" المبذولة حتّى الآن في إحداث أيّ "خرقٍ" على خطّه.

لكنّ من استمع إلى السيد نصر الله لاحظ "حرصًا بالغًا"، من خلال الطرح الذي قدّمه والمفردات التي "انتقاها" بعناية، على الوقوف على "الحياد"، وضربه أكثر من عصفورٍ بحجر، من خلال عدم تبنّي وجهة نظر "حليفه" ​رئيس الجمهورية​ ​ميشال عون​ بالكامل، رغم دفاعه الواضح عنه، ولا "شريكه" رئيس الحكومة المكلَّف ​سعد الحريري​ بحذافيرها.
هكذا، اعتبر نصر الله أنّ "من غير المُنصِف" تحميل عون مسؤوليّة التأخير الحاصل في ​تشكيل الحكومة​، وأيّد موقف الأخير الداعي لتوسيع الحكومة لتصبح من 20 وزيرًا أو حتى 22، ولكنّه في الوقت نفسه "تفهّم" تمسّك البعض بحقائب معيّنة، أسوةً بتمسّك الثنائي الشيعيّ بحقيبة "​المال​"، وأعطى الحريري "حقّه" برفض استئثار أيّ فريق بالثلث المعطّل.
ويثير الموقف "الوسطيّ"، إن جاز التعبير، للسيد نصر الله، العديد من علامات الاستفهام، فلماذا يقف على "الحياد"، وهو المعروف برفضه لـ"الرماديّة والوسطيّة" وكلّ ما يمتّ إليها بصلة؟ وما صحّة الحديث عن "وساطةٍ" يبذلها "حزب الله" للدفع نحو حلّ حكوميّ، فرضت عليه مثل هذا "التمَوْضع"؟

"في قفص الاتهام"

رغم ابتعاده نسبيًا عن ​تفاصيل​ الملفّ الحكوميّ، وتشعّباته التي لا تنتهي، لا يزال "حزب الله" برأي كثيرين "في قفص الاتهام" على الخطّ الحكوميّ. ثمّة في هذا السياق، من يرى أنّه "يتقاعس" عن أداء الدور المطلوب منه في "الضغط" على طرفي ​الأزمة​، رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلّف، لتجاوز خلافاتهما "الشخصيّة" والإسراع بتشكيل الحكومة.
وثمّة أيضًا من لا يتردّد في اتهام "الحزب" بالوقوف خلف بعض "العُقَد المُفتعَلة"، ولا سيّما ما يتعلق بإصرار حلفائه ​الدروز​ على "حصّة" في الحكومة، في "انقلابٍ" على الاتفاق الذي كان قد تمّ سابقًا على حصر الحكومة بـ18 مقعدًا، وبالتالي الحصّة الدرزية بمقعدٍ واحدٍ يذهب حكمًا إلى "​الحزب التقدمي الاشتراكي​"، علمًا أنّ هناك من لم "يستبشر خيرًا" بالحديث عن اجتماعٍ لـ"اللقاء التشاوري" في هذا التوقيت، مرجّحًا التحضير لعقدةٍ جديدة.
وثمّة من يذهب، أبعد من ذلك، ليستنتج أنّ "حزب الله" لا يريد ​تأليف الحكومة​، أو بالحدّ الأدنى، ليس "مُستعجِلاً" لذلك، في ضوء المتغيّرات الدوليّة والإقليميّة، وهو يفضّل انتظار "نضوج" التفاهمات ​الجديدة​، ولا سيما المفاوضات المتوقَّعة بين ​واشنطن​ وطهران، على خطّ ​الاتفاق النووي​، في ظلّ "الكباش" المتواصل بينهما، والذي لم يتَّضِح بعد ما إذا كان ممهِّدًا للتسوية الآتية لا محال، في ظلّ "المعركة" على من يخطو الخطوة الأولى.
كلّها عوامل دفعت، برأي البعض، بالسيد نصر الله لكسر "الصمت" الذي فرضه "الحزب" على نفسه حكوميًا، ريثما تنضج "الوساطات" التي بُذِلت وتُبذَل، مكرّسًا معادلةً واضحةً وصريحةً يتمسّك بها، حتى إثبات العكس، وتقوم على ثنائية "عون-الحريري" مهما اشتدّ الكباش بينهما، فالحزب على موقفه الرافض للكيديّات والنكايات بين الرجليْن، والمُصِرّ على ضرورة التفاهم بينهما، لأنّ لا خيار آخر في الأفق، شاء من شاء وأبى من أبى.

هواجس وتحفّظات

ولعلّ ما يعزّز وجهة النظر هذه، إضافة إلى وقوف نصر الله على "الحياد"، ومحاولته "مراضاة" كلّ من عون والحريري في جانبٍ من مطالبهما، هو حرصه على نفي أيّ "ترابطٍ" بين الأزمة الحكوميّة والمفاوضات الأميركيّة الإيرانيّة، بل اعتباره الحديث عن مثل هذه العلاقة "ممجوجًا وبلا قيمة"، ما يؤكّد أنّ المطلوب، بالدرجة الأولى، يبقى في "التوافق" بين الرجلين على "خريطة طريق" من شأنها التمهيد للحلّ الحكوميّ.
ومع عدم إغفال وجود عوامل خارجيّة قد تكون "نَشِطة" على خطّ التأليف، منها ما يُحكى عن "فيتو" سعوديّ على ترؤس الحريري لحكومةٍ يحظى فيها "حزب الله" بتمثيلٍ مباشر أو غير مباشر، وآخر أميركيّ مماثل، خلافًا لما يُقال عن أنّ واشنطن سلّمت ​باريس​ إدارة الملفّ اللبنانيّ بالكامل، يرى البعض أنّ "الحزب" ينطلق في موقفه، بعكس ما يُتَّهَم به، من رغبته في إنجاز الحكومة اليوم قبل الغد، لاعتباراتٍ وأسبابٍ عديدة.
وترتبط هذه الاعتبارات بـ"هواجس" تتعاظم لدى الحزب، على وقع التأخير الحاصل في عمليّة التأليف، فهو قَلِقٌ من انفجارٍ اجتماعيّ واقتصاديّ على شاكلة ما حصل في ​مدينة طرابلس​ قبل فترة، علمًا أنّ مثل هذا "الانفجار" قد يصبح أمرًا واقعًا لا مفرّ منه، وبما يتخطّى سيناريو انتفاضة السابع عشر من تشرين، إذا ما "صدقت" التسريبات التي تتحدّث تارةً عن رفعٍ للدعم، وطورًا عن انهيارٍ اقتصاديّ لم تعد ظروف منعه مُتاحة.
وبالتوازي، يخشى الحزب أيضًا سيناريوهات أخرى قد يلجأ إليها المعنيّون بالملفّ الحكوميّ، وعلى رأسها طرح "تدويل" الأزمة الحكوميّة، إذا ما استمرّ "التصلّب" كما هو اليوم، علمًا أنّ حرص السيد نصر الله على إثارة هذا الموضوع، في ردٍ ضمنيّ على البطريرك الماروني ​بشارة الراعي​، الذي يتجنّب عادةً الدخول في سجالاتٍ معه، لا يبدو "تفصيلًا"، وهو لم يكتفِ برفض واستهجان الطرح، بل ذهب لحدّ اعتباره "دعوة للحرب وللاحتلال".
لكن، رغم كلّ ما سبق، ينفي العارفون بأدبيّات "حزب الله" وجود وساطةٍ جدّية يقوم بها الحزب، ويمكن ​البناء​ عليها في الوقت الحاضر، ولو أنّ البعض يغمز من قناة أنّ "الحزب" لا يعلن عن خطواته إلا في حال نجاحها. ويشير هؤلاء إلى أنّ "الحزب" لا يريد "الضغط" على عون أو الحريري، انطلاقًا من بعض "المحاذير" على خطّ العلاقة معهما، وهو يؤمن أنّ أيّ "حلّ" لا بدّ أن يمرّ من خلالهما أولًا وأخيرًا، بعيدًا عن ​سياسة​ الفرض والإملاءات.

"أكّد المؤكّد"

باختصار، يمكن القول إنّ الأمين العام لـ "حزب الله" أكّد المؤكّد في خطابه الأخير، من دون أن يحمل جديدًا "نوعيًّا" يمكن أن يبشّر بحلٍ حكوميّ قريب، طالما أنّ "أزمة الثقة" بين عون والحريري على حالها، وكلّ منهما لا يفكّر سوى بـ"كسر" الآخر، بعد "استضعافه".
يرى البعض أنّ لا قدرة لدى "الحزب" على ما يتخّطى "الضغط الكلاميّ" الذي مارسه، فهو يتمسّك بعلاقته مع "العهد"، من خلال ​الرئيس عون​، ومن خلفه "​التيار الوطني الحر​"، ويرى أنّ "تطويرها" بعد "التصدّعات" التي أصابتها أخيرًا، وسلّط بيان "التيار" الضوء عليها، يتطلّب مقاربةً "هادئة وحذِرة" إلى حدّ بعيد.
وهو في الوقت نفسه، يتمسّك بالحريري خيارًا وحيدًا ل​رئاسة الحكومة​، بخلاف رغبة "التيار" في إقصاء الرجل، واختيار من يستطيع تنفيذ "الأجندة الإصلاحيّة" أكثر منه، اعتبارًا من حسابات لدى الحزب بأنّ ما يؤمّنه الحريري من "غطاء" لن يستطيع غيره تأمينه، ومن خشيةٍ لديه بتكرار تجربة، أو "مغامرة" حسّان دياب، التي كانت محفوفة بـ"الألغام".
وبين هذا وذاك، يبقى الثابت أنّ الأزمة الحكوميّة على حالها، وكلّ ما يُحكى عن "انفراجٍ" محض أمنياتٍ، يبدو أنّها ستتحقّق، ولكن بفارق حرفٍ واحد، باعتبار أنّ "الانفجار" هو الذي سيأتي أولًا، إذا ما استمرّت المقاربة نفسها!.