غريب تعامل المسؤولين ال​لبنان​يّين، ليس مع المشاكل السياسيّة والإقتصاديّة فحسب، بل مع المشاكل الوبائيّة أيضًا! فمُواجهة وباء "​كوفيد 19​" في لبنان لا تسير بشكل جيّد، بسبب العشوائيّة والإرتجال في إتخاذ القرارات، والفوضى والإستنسابيّة في التنفيذ، والإهتمام بالإستعراضات الإعلاميّة بدلاً من التركيز على العمل، وكذلك على توعية الرأي العام وتثقيفه! ولعلّ ما يهمّ ​الشعب اللبناني​ حاليًا، هو الحديث عن قُرب إعادة فتح ​المدارس​، والتباطؤ في إعادة فتح القطاعات التجاريّة، وعدم وُضوح الرؤية بالنسبة إلى اللقاحات. والبداية ستكون من هذه النقطة الأخيرة...

في علم الحساب، يَحتاج كلّ من الشعب اللبناني والمُقيمين في لبنان، من سوريّين وفلطسينيّين ومُواطنيجنسيّات أخرى، إلى نحو 11 مليون لقاح، لإخضاعهم جميعًا للتلقيح، باعتبار أنّ العدد الإجمالي للبنانيّين وللمقيمين يبلغ نحو 5.5 ملايين، ويجب إخضاع كل شخص منهم لعمليّتي تلقيح لضمان الفعاليّة. وهذا الرقم، يعني نظريًا أنه يجب القيام يوميًا بتلقيح 30000 شخص على مدى سنة كاملة، لتلقيح الجميع، مع إحتساب أيّام الأحاد! وبالتالي، لبنان الرسمي الذي إحتفل منذ أيّام بوصول دفعة أولى من اللقاحات تقلّ عن قرابة 30000 لقاح، والذي بلغ عدد المُلقّحين فيه حتى اليوم نحو 10000 شخص فقط لا غير، لا يزال بعيدًا جدًا عن ​تحقيق​ المَناعة المُجتمعيّة المَطلوبة، والتي تستوجب تلقيح ما لا يقلّ عن 75 إلى 80 % من الناس في أيّ مُجتمع، ما يعني أنّنا سنتعايش مع الوباء طوال العام 2021 الحالي بالتأكيد، ولفترة غير مُحدّدة من العام 2022 أيضًا-على أقل تقدير!.
وعلى الرغم من أنّ العدد الإجمالي للأشخاص الذين أصيبوا بوباء "كوفيد 19" في لبنان، والذين تمّ إدراجهم ضُمن الإحصاءات، بلغ نحو 350 ألف شخص، وعلى الرغم من أنّ عدد اللقاحات التي طلبها لبنان والتي يعمل على جلبها-ولو متأخّرًا مُقارنة بالعديد من الدول العربيّة والغربيّة، جيّد نسبيًا، وهو في تصاعد مُستمرّ، إلا أنّ هذا الأمر لا يُلغي الواقع السوداوي الثابت بعلم الحساب، بأنّ الوُصول إلى المَناعة الإجتماعيّة غير مُمكن في الأشهر القليلة المُقبلة. كما أنّ لبنان يُواجه مُشكلة غياب ثقة الرأي العام باللقاحات، بسبب عدم تنظيم حملات توعية كافية للمُتردّدين، علمًا أنّه في كل الأحوال، وبما أنّ عدد المُسجلّين للتلقيح بلغ نحو نصف مليون شخص، يجب الإهتمام بتلقيح هؤلاء، وهي مسألة تحتاج لأشهر عدّة، بدلاً من التلهّي بالتذمّر بضعف الإقبال على منصّة تسجيل الأسماء، وبتخلّف بعض المُسجّلين عن الحُضور إلى موعد التلقيح!.
إشارة إلى أنّ الإحتفالات السخيفة بتراجع عدد ​الإصابات​ مع بداية كل أسبوع، لا تعكس واقع الحال على الإطلاق، بل هي ناجمة من تراجع عدد فُحوصات "بي سي آر" التي يتمّ القيام بها في نهاية الأسبوع، من نحو 17000 فحص إلى نحو 6000 فحص فقط في اليوم الواحد، بسبب إقفال العديد من المُختبرات! يُذكر أيضًا أنّه عندما تجاوزت أرقام الإصابات في لبنان حدود 5000 إصابة في اليوم الواحد، كان يتمّ إجراء ما بين 25.000 و30.000 فحص "بي سي آر" في اليوم،قبل التراجع مُجدّدًا إلى أكثر من نصف هذا المُعدّل بقليل حاليًا. أكثر من ذلك، إنّ نسبة الحالات الإيجابيّة لا تزال عند مُعدّلات عالية جدًا، تزيد عن 15 %، ما يعني أنّها تراجعت قليلاً عن الأرقام التي بلغتها في الماضي القريب والتي تجاوزت عتبة 20 %، لكنّها تبقى مرتفعة عن المُعدّل العالمي بشكل واضح.
وبالتالي، ​الإقفال​ الطويل الجديد فشل في تحقيق أهدافه، لأنّ المعركة ضُدّ الوباء تُخاض بشكل غير مدروس! فليس المَطلوب إغلاق المتاجر على الإطلاق، بل فرض إرتداء الكمّامات على الجميع، ومنع التجمّعات كليًا، أكانت في حفل أو في معبد ديني أم حتى داخل المنازل. وفي الدول الغربيّة، إنّ فرض واقعالإقفال العام يترافق دائمًا مع منع التجمّعات على أنواعها، ومع منع الزيارات المُتبادلة. أمّا في لبنان، يتم إقفال بعضالمتاجر،وترك الناس تتجمّع في المنازل مع أقاربها ومع جيرانها من دون أيّ رقيب أو حسيب. أكثر من ذلك، يجري التشدّد بفرض الغرامات وبتطبيق الإغلاق في مناطق مُحدّدة، وترك مناطق أخرى غارقة في الفوضى، وكأنّ شيئًا لم يكن!.
وفي ظلّ هذا الواقع السيء،ومع إستمرار تفشّيالوباء في لبنان، لا يُمكن الحديث عن إعادة فتح المدارس، بعيدًا عن أيّ منطق أو رؤية. فمسألة التعليم المُدمجليست حلاً ولا إبتكارًا، بل هي عبارة عن طرح سخيف يُمثّل الطريق الأسهل لزيادة ضياع التلاميذ، بحيث لا يعرفون ما إذا كانوا سيتوجّهون إلى المدرسة أم سيتعلّمون عن بُعد، ولزيادة عدد الإصابات أيضًا بسبب التجمّعات التي يُمكن الإستغناء عنها. وفي الدول المُتحضّرة، جرى فتح المدارس بشكل دائم للصُفوف الصغيرة، لأنّه لا قُدرة للأطفال لمُواكبة التعلّم عن بُعد، بينما جرى إبقاء التلاميذ الكبار والذين يستطيعون التفاعل مع أساتذتهم، في المنازل، شأنهم شأن طلاب الجامعات، مع التوجّه كل بضعة أشهر إلى الصروح التربوية، لإجراء الإمتحانات التقييميّة.
وللمرّة الألف نُكرّر، إسمحوا للناس بأن تعمل، لكن مع التشدّد في فرض التدابير الوقائيّة، والتشدّد بمُعاقبة كل من يخالفها، فإغلاق المتاجر بينما الشوارع تغصّ بالناس الذين يلتفّون على إستثناءات المنصّة الإلكترونيّة ويحتالون على القوانين، لن يُخفّض عدد الإصابات! وفتح المدارس بشكل عشوائي وغير مدروس، للتظاهر فقط بأنّ ​وزارة التربية​ ليست في سُبات عميق منذ إنتشار الوباء، لن يُنقذ ​العام الدراسي​، والتهليل الفارغ لوُصول بضعة آلاف من اللقاحات كلّ أسبوع، لن يُؤمّن المَناعة الإجتماعيّة! الأكيد أنّ الوقت حان ليكون المسؤولون بقدر المسؤوليّة... وإلا فليتنحّوا ويُفسحوا المجال لمن هم أهل لذلك!.