حتّى ​الساعة​ لا أحد يعرف حقيقة شحنة الـ2750 طن من نيتراتالأمونيوم الّتي انفجرت في ​مرفأ بيروت​ سوى أصحابها.

مَن هم أصحابها؟ إنّهم عصابات دوليّة تمتهن تأسيس شركات متعدّدة الجنسيات والاتّجار بالأسلحة والمتفجرات وكلّ ما له صلة بهذا العالممن استغلال وتعاون مع شركات شحن وملاحة ومنظومات دول ومنظّمات مسلّحة وانظمة وغيرها...
هذا واضح من مجريات مسار الباخرة "روسوس" التي انتهت تعويماً في قعر البحر ال​لبنان​ي، ومعها طُمِست حقيقة هذه الرحلة المشؤومة. عصابات لا يُعرف من أفرادها أحد.
ما هو هدفها؟ إرهابي؟ سياسي؟ مادي؟ تخريبي؟ أم غير ما ذُكِر؟ لا جواب حتى الساعة.
فساد وسوء ادارة واهمال وتبادل مسؤوليات في الداخل اللبناني أبقى شحنة النيترات سنوات في عنبر غير صالح لاحتوائها حتى انفجرت. والمسؤوليات الجزائيّة والمدنية تراكميّة وتعدديّة وتشعبيّة أفقياً وعامودياً.
قرّر القضاء الوطني تنحية المحقق العدلي القاضي فادي صوّان وإحالة القضيّة إلى القاضي ​طارق بيطار​.
في تحليل القرار القضائي الصادر عن ​محكمة التمييز​ الجزائيّة الغرفة السادسة القاضي بنقل الدعوى بناء لطلب وزيرين سابقين، والظروفالسياسية التي تزامنت مع هذا القرار، جانبان، الأول قانوني والثاني سياسي.
في القانون، إنّ التعليق القانوني على القرار يستحق البحث المطوّل ولكنني سأتوقف في هذه المقالة عند النقاط التالية:
1-قرار محكمة التمييز بتنحية القاضي صوان لجهة الاسباب التي بنى عليها، سيما بموضوع الريبة كونه متضرر من ​انفجار​ مرفأ بيروت يعودأمر تقديره للمحكمة صحيح، ولكن نحن كلبنانيين نسأل: هل من قاضٍ غير متضرر ماديا ومعنويا سواء مباشرة او غير مباشرة من هذهالجريمة التي قتلت ودمرت شعباً وعاصمة؟!.

انفجار بحجم ​قنبلة​ ​هيروشيما​، ليس جريمة فردية شخصية، بل "مجزرة وطنية"؛ وإنّ أيّ لبناني سواء كان قاضيا او امنيا او عاملا بسيطا أوتاجرا أو عامل نظافة لم يتضرّر من الانفجار لا ماديا ولا معنويا فهو لا يستحق رتبة لبناني قبل ان نقول عنه لا يستحق مهمّته، وهو بعدمتضرره يرتكب خيانة عظمى لوطنه وبلده وشعبه وعاصمته. وعليه، ما من قاض لبناني اختار القضاء رسالة ووظيفة هو بحكم غير المتضرر. عندها السؤال: هل جميعهم موضوع ريبة؟!.
2-إنّ القرار الصادر عن محكمة التمييز قابل للطعن امام الهيئة العامة لمحكمة التمييز المؤلفة من قضاة رؤساء غرف، وهي مرجع اعلى، ومن الممكن للنيابة العامة التمييزية الطعن أمامها بالقرار لمنفعة القانون، على الرغم من ان المادة 342 من قانون أصول المحاكمات الجزائيةنصّت أن القرار الصادر عن محكمة التمييز الجزائيّة بنقل الدعوى غير قابل لأي طريقة من طرق المراجعة.
هل يريد فعلاً الرئيس ​فادي صوان​ استكمال التحقيق؟ وهل من نيّة قضائية للطعن بالقرار؟.

في ​السياسة​، إنّ القرار الصادر بنقل القضية الى محقق عدلي جديد فتح بشكل غير مباشر ودون قصد باب تدويل القضيّة على الرغم من رفض الدولةاللبنانية تدويلها. كل الوسائل الاعلاميّة المرئيّة والمكتوبة والمسموعة في ​العالم العربي​ و​اوروبا​ وحتى ​الولايات المتحدة​ تناولت موضوع تنحيةالقاضي.
معلوم أنّ تدويل أيّ ملف يبدأ من الإعلام والمسؤوليّة في التدويل تقع هنا على ثلاثة جهات:
1-السياسيون ​اللبنانيون
2-الإعلام الذي يمتهن ارسال بالونات الهواء ظنّا منه انها قنابل استقصائيّة للحقيقة، فهابَه البعض وما كان فعله الا تشويشاً على التحقيق.
3-الشفافية القانونيّة التي كانت تقتضي السرعة والتنبّه من أنّ هذه القضيّة هي قضيّة وطنيّة ودوليّة وشعبيّة في آن، وقضية رأي عام محليوعالمي، ما يقتضي معه احترام مبدأ سرّية التحقيق ولكن أيضا عقد مؤتمرات صحفيّة للشرح العلني حول منهجيته المتّبعة وبعضالخيوط من الحقيقة. فمن حقّ المواطن أن يفهم ومن حق المتظلّم أن يُرفع عنه الظلم الشعبوي. وهذا ما لم يحصل.

ارتاب المتضررون واهالي الضحايا من قدرة ​القضاء اللبناني​ على إظهار الحقيقة،ومعلومٌ ان مجموعات عدة تتحضّر لتقديم طلب الىمجلس الامن لإرسال لجنة تقصّي حقائق وبعضهم الآخر يبحث عن محاكم دوليّة مختصة.
أما الكباش الدائر بين ​السلطة​ السّياسية والقضائيّة والاعلاميّة والامنيّة يعيق فعلا التوصل الى الحقيقة ومنها الى العدالة.
في الاهمال الوظيفي و​الفساد​ والقتل الاحتمالي وغيرها من الاوصاف القانونية الجرميّة، تتوزّع المسؤوليات، ولا شك انها تطال مسؤولينسياسيين كبار، واضح ان لبنان غير مهّيأ لنتائج الحقيقة.
الجميع يطالب بها والجميع يريدها والعدالة تقتضيها. ولكنها الأذكى. هذه الحقيقة طمست نفسها مع الباخرة في بحر مرفأ بيروت ودمرتوقتلت وجرحت وبترت وشردت وأفلست وخرّبت، الخ... لكنها تبقى الأذكى في تهريب رجالها كما هرّبت أموالها والكمّيات المسروقة من نيترات عنبر رقم 12. ​انفجار مرفأ بيروت​ الحقيقة الأذكى في تاريخ الفساد الدموي العالمي. عبر التاريخ وحتى اليوم، إنّ إحدى خصائص "​المافيا​" هي السرّية ولطالما رفعت شعار " "kabadayكلمة بالاصل تركيّة، وفي عاميّة لغتنا تُعرف بـ"قبضاي"،أي البطش بالقوة على الشعب. هنا،المافيا مكشوفة و"قبضاياتها" صنعهم الشعب. فكُفّوا عن النحيب على الحقيقة.