اعتاد ​لبنان​ على مقولة "اشتدي يا ازمة بتنفرجي"، في ما معناه انه على الازمة التي يعيشها في كل مرة ان تصل الى حدود الخطر الوجودي قبل ان نصل الى الحلول. اما المفارقة التي يعيشها لبنان حالياً، فهي ان الحدود تعدّدت وبات البلد يقف على حافة كل واحدة منها أكانت صحية او مالية او اقتصادية او سياسية او اجتماعية او طائفية او... وكانت الحدود الامنيّة والعسكريّة هي الوحيدة الصامدة حتى اليوم رغم كل الصعوبات، وذلك بارادة خارجيّة اولاً وبقدرة ​الجيش اللبناني​ والقوى الامنيّة ثانياً. ولكن المقلق اليوم هو ان كل الازمات الاخرى لم تأت بالثمارِ المرجوة على الرغم من قساوتها وخطورتها، ويبدو ان التهديد بالخطر الامني اصبح الاكثر قرباً للواقع كي "تنفرج الامور"، فهل هذا فعلاً ما يتطلّبه الوضع للخروج من المشاكل والعودة الى مسار ما قبل 17 تشرين الاول 2019؟.

البيان الصادر عن الجيش منذ يومين، يشير بما لا يقبل الشك الى محاولات تنظيم "داعش" الارهابي معاودة نشاطه في لبنان، ليس عسكرياً من خلال السيطرة على مناطق كما كان هدفه سابقاً، بل من خلال ضربات امنيّة مختلفة في مناطق عدةّ، مع كل ما يعنيه ذلك من مشاكل وتحدّيات ستنعكس حتماً على الواقع السياسي المأزوم والواقع الاقتصادي والمالي المتفكك، ناهيك عن الاخطر والاكثر قبولاً لخراب البلد وهو الواقع الطائفي الذي يتمدد بشكل اسرع واكثر تفاعلاً من كل المواضيع الاخرى، علماً ان الارضيّة اليوم قابلة اكثر من اي وقت مضى لاستقبال مثل هذا النوع من الانشقاق والخلاف بين اللبنانيين.
لا يمكن اعتبار ايقاظ خلايا نائمة لـ"داعش" بمثابة امر عادي، خصوصاً في لبنان الذي تسرح فيه وتمرح كل انواع المشاكل المدعومة من الخارج والمنفّذة من الداخل، ومن المؤكّد انّ في الامر رسائل كان يجب ان ترسل والاخطر انها كانت دموية وتحمل معها فتائل ​تفجير​ الوضع برمّته وصولاً ربما الى حدود الفلتان التام. لا يزال الكثيرون يتمسّكون بتقديرات ومعلومات تفيد بأنّ المظلّة الامنيّة الدوليّة فوق لبنان لا تزال صالحة، وبالتالي لا خوف من حصول فلتان تام لأن من شأنه تقويض كل الخطط والمشاريع الموضوعة، وتلك التي ستوضع للمنطقة بأسرها، التي ستتأثر حتماً بتطورات دراماتيكية خطيرة اذا ما وصل لبنان الى هذه الحالة من اللاعودة، مع ما تحمله من كوارث في ما خصّ النزوح (السوري واللبناني على حدّ سواء في هذا الوضع)، وتغييرات على ​سياسة​ التقارب العربي-الاسرائيلي، وتقسيم النفوذ الدولي الذي يشهد اليوم صراعاً حتمياً وقاسياً لتثبيت حدوده. من هنا، يرى متابعون للوضع اللبناني، ان الهدف من الرسالة "الداعشيّة متعدّد، وهو اثبات وجود بالنسبة الى بعض الدول غير الكبرى (البعض لا يبرّئ ​تركيا​ وغيرها من هذا الاتهام) للعب دور والحفاظ على مكانتها، في ظل التنافس على مستوى الدول الكبرى وإلزام هذه الدول على التعاطي معها او على الاقل عدم تجاهلها كلياً عند حلول ساعة التسويات. اضافة الى ذلك، يمكن اعتبار التحرك "الداعشي" رسالة ايضاً الى الداخل مفادها ان الوصول الى حدود الانهيار الامني من شأنه "فرض" حلول اكثر قساوة على اللاعبين المحليين، بدل المعروض عليهم حالياً والذي سيكون افضل مما سيعرض لاحقاً اذا ما ساءت الامور الى درجة كبيرة ووصلت الى حدود اللعب على الوتيرة الامنية.
في كل الاحوال، ليس من السليم العبث بالحالة الامنيّة اياً يكن مضمون الرسائل داخليّة ام اقليميّة، لان الثمن سيدفعه ​اللبنانيون​ بالدرجة الاولى وسيكون غالياً جداً قبل الوصول الى الحلول التي ترضي الجميع وفق الصيغة الشهيرة "لا غالب ولا مغلوب".