وسط تراشق بيانات عبثي بين حلفاء الامس وسقوط كل المبادرات المحلية والدولية الهادفة الى تشكيل حكومة مهمتها انتشال ​لبنان​ من انهيار محتم، يستمر مسلسل البيانات المثقلة بتهم غير المنطقية متابدلة بين الشركاء المعطلة ل​تشكيل الحكومة​ اللبنانية التي ينتظرها ​اللبنانيون​ و​العالم​.


ثمانية اشهر ولبنان بلا حكومة فاعلة وبلا مسؤول عن تردي الاوضاع الحياتية. اللبنانيون يعيشون وسط قصف اعلامي عنيف تستعمل فيه ​قذائف​ مشعّة من الاتهامات المتبادلة ، الامر الذي اسهم في تفشي الفوضى الساسية والامنية والاقتصادية والمعيشية وحتى الصحية ، فيما المواطن اللبناني المعذب يرزح تحت وطأة ​الفقر​ والعوز، بعد تآكل القيمة الشرائية للعملة الوطنية مقابل الصعود الجنوني لسعر صرف ​الدولار​ الامريكي.


مسألة تشكيل الحكومات في لبنان منذ ما قبل ​اتفاق الطائف​ وبعده مروراً ب​اتفاق الدوحة​ وما تلاه لم تشهد تعقيداً بهذا المستوى المتداخل بين العوامل الداخلية والخارجية وحتى على مستوى العلاقة الشخصية بين ​رئيس الجمهورية​ والرئيس المكلف كما هو حاصل اليوم، فالعقدة الاساسية بين الرئاستين تكمن في رفض الرئاسة الاولى لشخص الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة المنتظرة وربما الاخيرة من عمر العهد الرئاسي، فيما الرئيس المكلف يبدو غير راغب في تشكيل حكومة في ظل ظروف اقليمية غير متوازنة، اقل ما يقال فيها انها ظروف لا تؤمن له شخصياً الضمانة اللازمة لمستقبله السياسي كلاعب اساسي على الساحة اللبنانية، بالاضافة الى خوفه من السقوط في فخ ​التسوية الرئاسية​ مرة اخرى.


امام هذا المشهد المتداخل والمعقد جرى تحويل اسباب المعضلة المستحدثة والمستحكمة الى ازمة صلاحيات بين الرئاستين، الامر الذي دفع باتجاه اعادة تفسير البند المتعلق بتسمية الشخصية المؤهلة تشكيل الحكومة من قبل ​المجلس النيابي​ ومدى الصلاحيات الممنوحة لكل من الرئيس المكلف ورئيس الجمهورية في تشكيل الحكومة وكيفية تسمية الوزراء وتوزيع الحقائب الوزارية وضمان ميثاقية التمثيل الطائفي من خلال التعاون والمؤازرة بين الرئاسة الاولى والرئيس المكلف حسب ما نص (اتفاق الطائف)


في مدينة الطائف وخلال مراجعة بنود الاتفاق قبل اقراره بشكل نهائي جرى طرح مشروع تحديد مهلة زمنية لتشكيل الحكومة حددت بشهر واحد قابلة للتمديد خمسة عشر يوم كحد اقصى لتوليف حكومة بالاتفاق بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف والا فان اعتذار الرئيس المكلف يصبح الزامياً والدعوة الفورية لاجراء استشارات نيابية ملزمة جديدة افساحاً في المجال امام تسمية شخصية اخرى تناط بها مهمة تشكيل الحكومة بعد تعذر من سبقه.


الا ان الرئيس ​صائب سلام​ الذي كان مشاركاً بجلسات اتفاق الطائف والرئيس ​سليم الحص​ الذي كان متابعاً من ​بيروت​ ادق ​تفاصيل​ اتفاق الطائف وعلى تواصل دائم مع مختلف الشخصيات المشاركة، عارضا الى جانب شخصيات سنية اخرى هذا المقترح وبشدة، وعللا الاعتراض بالاسباب التالية:

_ان مقترح تحديد المدة الزمنية للرئيس المكلف سيقيد مساعيه الرامية الى تشكيل حكومة منسجمة وطنياً وعملياً وسيضعه ضمن دائرة ضيقة مما قد يجعله خاضعاً لرغبات رئيس الجمهورية واهوائه الشخصية.


_ان تحديد المدة الزمنية للرئيس المكلف سيعطي رئيس الجمهورية هامشاً واسعاً في الاستمرار بتعطيل تشكيل الحكومة وبالتالي اعاقة مهمة الرئيس المكلف وتعجيزه تمهيداً لانتهاء المهلة الزمنية ما يتيح لرئيس الجمهورية تنفيذ مأربه بالغاء نتائج ​الاستشارات النيابية​ الملزمة والدعوة لاجراء استشارات نيابية جديدة تمهيداً لاستبدال الرئيس المكلف بشخصية اخرى يرضى عنها رئيس الجمهورية، وبذلك يلغى دور المجلس النيابي الهام في ما خص احقية ​الكتل النيابية​ تسمية الشخصية المؤهلة لتشكيل الحكومة،
وحين سُئل الرئيس سليم الحص عن الضمانة التي تكفل تعاون الرئاستين الاولى والثالثة في تشكيل الحكومات قال:
ما من مسؤول يمنحه ​الدستور​ حق تبوؤ منصب الرئاسة الاولى او الثالثة الا ويجب ان يمتلك مواصفات الارتقاء لمستوى المهمة الوطنية التي كُلّف بها وعلى امتداد مساحة الوطن ولا بد ان يكون متسلحاً بالضمير الوطني والحس العالي بالمسؤولية الوطنية متمسكاً بروح الدستور وملتزماً الاحتكام لبنوده التي اقرت في اتفاق الطائف، متجاوزاً للمصلحة الشخصية و​المحاصصة​ الطائفية والمذهبية صوناً للوحدة الوطنية، لأن ذلك من موجبات الحفاظ على الوطن وعلى المصلحة الوطنية العليا. ولأن المنصب هو ​تكليف​ وارتقاء بالمسؤولية وجب على الرئاستين الاولى والثالثة التعاون والمؤازرة، كل منهما من موقعه وصولاً الى تشكيل حكومة تضمن المصلحة الوطنية العليا وتكفل حق المواطنين.


بعد كل ما تقدم ترى هل امتلك متبوئوا السطلة في لبنان تلك المواصفات الموجبة التي اطلقها الرئيس سليم الحص.


المؤكد هو ان المسؤولين في لبنان اوغلوا بتقديم المصالح الشخصية و الطائفية والمذهبية على مصلحة الوطن وهم انفسهم اوصلوا لبنان واللبنانيين لهذا الدرك


لقد بات واضحاً لنا وللعالم مدى كفاءة الذين تبوءوا المناصب في وطن اسمه لبنان!