أفضت الحرب العالمية الثانية إلى قيام عصبة الدول المنتصرة في الحرب التي تولّت قيادة العالم وتحكّمت بمساراته وقضاياه صغيرها وكبيرها، ورغم قيام النظام العالمي يومها على الثنائية القطبية بين حلفين أطلسي تتزعّمه ​أميركا​ وشيوعي يقوده ​الاتحاد السوفياتي​، فقد كانت الأرجحيّة واضحة لصالح الحلف الأول على حساب الحلف الثاني الذي كان الاقتصاد موطن الوهن والضعف الرئيسيّ فيه بعكس الحلف الأول المتمتع بخيرات ذاتية ومغتصبة بحجم أضعاف ما يحتاج، أما ​الصين​ خاصة بعد نجاح ثورتها في العام 1949 في بناء ​الدولة​ التي يقودها ​الحزب الشيوعي​ فقد كانت محاصَرة إلى حدّ التضييق والتهميش في كثير من النواحي. أما ​إيران​ قبل ثورتها الإسلامية ونجاحها في العام 1979 في بناء دولة السيادة و​الاستقلال​، فقد كانت شرطي ​الخليج​ لصالح الحلف الأول في مواجهة أيّ تحرك إقليمي أو دولي يهدّد مصالحه.

انطلاقاً من هذا الواقع عملت كلّ من الصين وإيران وفقاً لاستراتيجية تناسبها للنمو، وكان الاقتصاد لدى الطرفين بؤرة الاهتمام الرئيسيّ مع اهتمام بالشأن العسكري متفاوت السقوف بين الدولتين للدفاع عن النفس وحماية المرافق الاقتصادية. أما ردّة فعل نادي المنتصرين في الحرب الثانية فقد اختلفت حيال كلّ من الدولتين في سقوفها، لكنها تماثلت في طبيعتها القائمة على رفض تشكل قوة إقليمية أو دولية جديدة تنازع الغرب مواقعه ومصالحه من أي نوع كانت سياسية أو اقتصادية أو عسكرية أو سيطرة ونفوذ. وكان ​العنف​ الشديد يمارَس بوجه إيران التي شنّت عليها الحروب ثم الحصار الخانق، وكانت المشاغلة والمراوغة في العلاقات مع الصين بحيث لا تصل إلى العداء المكشوف المستتبع لشن الحرب، ولا تدخل في مجال الصداقة والحميميّة المطمئنة بأيّ حال.

لقد شكلت كل من الصين وإيران هاجساً مقلقاً للغرب، الأولى على صعيد دوليّ حيث إنّ تقدّمها الاقتصادي الذي حققته نتيجة التركيز على الاستثمار بدل الانشغال بالحروب والنزاعات وهدر ​المال​ من دون طائل، والثانية على صعيد إقليميّ فسّره الغرب بأنه تهديد لمواقعه في ​الشرق الأوسط​ الذي به وبما هو عليه من موقع وثروة وتنوّع يمكنه أن يديم سيطرته على العالم، ولذلك كانت أولوية المواجهة للترويض أو القمع، مركزة على إيران التي رأى فيها الغرب العدو الذي لا يمكن تأخير معالجة خطره ، وأن تطويعه واحتواءه يخفضان من مستوى الجهد المبذول باتجاه الصين إلى النصف إنْ لم يكن أكثر.

بيد أنّ الغرب استفاد من تجربة ​حرب صدام​ الفاشلة ضدّ إيران وهي الحرب التي شُنّت بقرار أميركي ومال عربي وخيضت بسلاح متعدّد المصادر من الشرق والغرب، وامتنع عن تكرار التجربة بعد أن لمس أنّ عود إيران تصلّب وأنّ خبراتها في حرب الجيلين الثالث والرابع تعاظمت، لذا وما أن تفكك الاتحاد السوفياتي حتى سارع الغرب إلى تطويق إيران من دون غزوها فنفذ الانتشار العسكري في الخليج مقابل السواحل الإيرانية الجنوبية الغربية، ثم احتل ​أفغانستان​ ليقفل حدود إيران الشمالية الشرقية وأخيراً احتلّ ​العراق​ ليحكم تطويق إيران من الغرب، وظنت أميركا أنّ هذا التطويق والعزل سيسقط ​الجمهورية​ الإسلامية في إيران، لكن خاب ظنها.

ذهلت أميركا وكل مَن معها لفشل ​سياسة​ التطويق والحصار والاحتواء الممارسة ضد إيران، وشغلهم هذا عن متابعة ما يجري في الصين التي أطلقت «استراتيجية الانفتاح والإصلاح» وحققت بها ثورة نهضوية على أكثر من صعيد خاصة في ​السياسة​ والاقتصاد والإدارة و​البناء​ العسكري، وظن الغرب بقيادة أميركا أن الوقت حان للعمل المتزامن ضد الطرفين، الصين وإيران عبر الانزياح إلى ​الشرق الأقصى​ عسكرياً للبدء بحصار الصين وتطويقها، أما إيران فتواجه عبر إسقاط محور المقاومة الذي نجحت في تشكيله، ونجح هو في قطف ثمار هامة في التحرير والمواجهة. وترجم الغرب اتجاهاته هذه في المفهوم الاستراتيجي الذي اعتمده للحلف الأطلسي في العام 2010 ليعمل به خلال عقد من الزمن ظن الحلف أنّ بإمكانه من خلاله إسقاط سورية، وتالياً إيران و​حزب الله​ ومحاصرة ​المقاومة الفلسطينية​ وامتلاك قرار الشرق الأوسط والتفرّغ للصين في الشرق الأقصى.

بيد أنّ محصول البيدر الغربي لم يطابق حساب الحقل المشرقيّ، فمن جهة فشلت الحرب الكونية على سورية وصمدت إيران في مواقعها وأحرزت عبر حلفائها من سورية والعراق و​لبنان​ وصولاً إلى ​اليمن​ انتصارات استراتيجية مذهلة، ما منع أميركا وحلفاءها من ​تحقيق​ أهداف حرب العقد – الكونيّة في الشرق الأوسط، ومن جهة ثانية استغلت الصين انشغال أميركا بالحروب منذ 1991 وعرفت كيف تتعامل مع الفشل الأطلسي وكان تركيزها على الاقتصاد والإنتاج وتطويره في الداخل وإيجاد الأسواق للصناعة والاستثمارات الصينية في الخارج.

وبعد أن كانت الصين قد بدأت بشن «هجوم اقتصادي استثماري» على الشرق الأوسط وعقدت الاتفاقات الهامة مع العراق و»إسرائيل» وآخرين ما أغضب أميركا وجعلها تضغط لتعطيلها، صنعت الصين مع إيران «القنبلة الاقتصادية السياسية العسكرية الاستراتيجية الكبرى» تحت اسم «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الصيني الإيراني» فأحدثت ثورة في العلاقات الدولية وشكلت «كارثة استراتيجيّة على المشروع الغربي في المنطقة»، وجعلت ​بايدن​ يبدي بألم «قلقه العميق ومخاوفه الكبيرة» منها.

لقد وقّعت الصين وإيران في 27/3/2021 هذا الاتفاق الاستراتيجي من دون اكتراث ب​العقوبات الأميركية​ – الغربية اتفاقاً سيُعمل به خلال الـ 25 سنة المقبلة ويتضمّن «التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والتقنية، إلى جانب التعاون الدفاعي والعسكري، بما في ذلك إجراء ​مناورات​ عسكرية مشتركة»، فضلاً عن الاستثمار والمساهمة في بناء وتطوير البنى التحتيّة في إيران وخطوط المواصلات والنقل من مطارات ومرافئ وسكك حديد، ولذلك ننظر إلى هذا الاتفاق بأنه بحق ثورة في العلاقات الدولية من شأنها أن تفرض إيقاعها على الكثير مما تعمل به أميركا ضدّ أعدائها وتعوّل عليه لاستمرار سيطرتها وهيمنتها الدوليّة. ففي هذا الاتفاق من النتائج والدلالات ما لا يمكن حصره الآن، لكن نذكر بعضه كما يلي:

1 ـ أكد التقاء العملاقين الصيني والإيراني في هذه الصيغة فشل أميركا في خطط الحصار والعقوبات وإخفاق الحرب الاقتصادية عليهما. وبهذا كسر ذراع الضغط الثالث الذي كانت أميركا تعوّل عليه في الضغط على خصومها، إذ بعد فشل الذراع السياسية وفشل استراتيجية الحروب بالقوة الصلبة أو ​الناعمة​ ها هي سياسة الحرب الاقتصادية والعقوبات تلفظ أنفاسها على أبواب إيران والصين، وبهذا تثبت نتيجة المواجهة أنّ أميركا ليست قدراً لا يُردّ بل إنها مكوّن فيه من الوهن ولدى خصومها من القوة ما يجعلها تخسر ويُلوى ذراعها.

2 ـ خروج الصين من خلف السور العظيم واقتحام المنطقة المركزية في العالم من الوجهة الاستراتيجية ودخولها بقوة وثبات إلى غربي آسيا، حيث مصادر ​الطاقة​ والبحار الخمسة ما يعني أنّ حلم أميركا باحتكار السيطرة على الشرق الأوسط بات من الماضي الغابر.

3 ـ تعزيز فرص إحياء طريق الحرير التي تربط الصين بالغرب الأوروبي عبر آسيا الوسطى وبشكل خاص إيران، مشهد ستكون إيران فيه منطقة الوسط والتفريع وستعطيه دفعاً وزخماً هاماً. وسيلقى التسونامي الصيني الاقتصادي أبواباً تشرع له في الغرب رغم كلّ محاولات الحجب والمنع.

4 ـ تعزيز فرص نجاح مشروع «الحزام والطريق» الصيني الذي استماتت أميركا لمنعه وإسقاطه. وسيكون أكثر من سوق وميدان عالمي في القارات الثلاث قارات العالم القديم متهيئاً للاستثمارات الصينية.

5 ـ زعزعة موقع ​الدولار​ الذي لن يبقى متسيّداً على عرش ​الاقتصاد العالمي​ باعتباره العملة الكونيّة الوحيدة التي تتحكم أميركا باقتصاد العالم عبرها، حيث إنّ التحوّل إلى عملات أخرى محلية وإقليمية سيهزّ عرش الدولار من دون منقذ.

6 ـ لن يكون للعقوبات الأميركية أثر قاتل ومعطل لاقتصاد إيران والصين، فبترول إيران سيجد مَن يستهلكه والاستثمارات في إيران ستجد من يقوم بها وستبقى أميركا تراقب الأوراق تفلت من يدها.

7 ـ أما عسكرياً فإنّ شمول الاتفاق جوانب متصلة بالتسليح والتدريب والمناورات ففيه إشارة هامة إلى بناء نواة تحالف دفاعي ورسالة هامة بأنّ للاتفاقية ما يكفي من القوة العسكرية لحمايتها وحماية مَن ينظمّ إلى صيغ مثيلة لها مستقبلاً.

نكتفي الآن بهذا القدر من الإضاءة على هذا الاتفاق التاريخي الهام في أبعاده الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية والعسكرية، ونقول إنّ فشل الحرب الكونية على سورية ومحور المقاومة وصمود هذا المحور غيّر العالم وفتح الطريق لإنهاء عهد سيطرة نادي المنتصرين في الحرب الثانية واستطاعت الدول التي تشكلت أنظمتها بعد الحرب تلك أن تتفلّت من الهيمنة الاستعماريّة وتهيّئ الفرص لنظام عالميّ مختلف يقوم على التوازن المبنيّ على الاستقلال والسيادة.