تهاوت صورة الإله وصورة ​الإنسان​ في هوّة الفراغ والبعد والانغلاق، فأظلمت الأرض والسّماء، فما عاد للأنوار قيمة أمام العيون المغلقة، بل قل أمام العيون العمياء بصرًا وبصيرة.

في الزّمان الرّديء "أعمى يقود أعمى. فلا بدّ من وقوع الاثنين في حفرة واحدة"(متّى: 14: 15)؛ لذلك وجد الإنسان نفسه يسير بخطى ثابتة نحو عتبة القبور الحالكة.
بيد أنّ الإله التّقليديّ جالس على عرشه المتعالي، ينظر بتعجرفه الأبديّ السّرمديّ، نحو الفاني التّرابيّ، غير مكترث له، لكثرة معاصيه وتجبّره، أو لعلّه قد أوجد مخلوقًا آخر لتسليته، يكون أقلّ أنانيّة، وأكثر انفتاحًا وطاعة.
الإله التّقليديّ أضجره الإنسان بقلّة فهمه أو بكثرته... في المقابل تآكلت هذا الكائن البشريّ الماديّة والوجوديّة، ومحوريّة الأنا، حتّى وصل إلى العدميّة، فما عاد قادرًا حتّى على رفع نظره إلى السّماء، ولا إلى النّور، لإدراكه القطيعة الّتي حصلت، والهوّة الّتي وجدت، والتّبرير من الطّرفين الإلهيّ-الإنسانيّ مقنعة…
أطلّ ​المسيح​ ابن الله الحيّ، فما كان من الإنسان المنغلق الخاسر فرصة للانتصار إلّا أن وجدها سانحة فقتل الإلهيّ، في معركة، على أرضه، فانقضّ التّرابيّ على الإلهيّ، إذ قتل الإنسان ابن الإنسان على خشبة. حاول الإنسان إخافة الإله بما هو أشدّ قلقًا له، وأكثر رهابًا، إذ ينهي وجوده؛ فالموت، السّرّ الأعظم، و​العقبة​ النّهائيّة في وجه الكائن البشريّ الّذي سيصلب الله بابنه الوحيد.
في المسيح، يتجدّد عهد الله بالخلاص. نزل الإله ليصير الإنسان إلهًا. نزل لكي لا يعود الإنسان ينظر إلى الإله الّذي هو فوق، بل إلى الكلمة الّذي صار جسدًا، وشابهنا في كلّ شيء، ما عدا الخطيئة.
في المسيح، كشف الله عن ذاته. بالمسيح المتألم، أعطى بُعدًا خلاصيًّا لآلام الإنسانيّة، وأعاد إليها كرامتها، ببعدها الرّوحانيّ الآنيّ، وليس ببعدها الميتافيزيقيّ غير المنظور.
في المسيح المائت على الصّليب، ما عاد لسلطان الموت كلمة الفصل، ولم يعد الموت يكتفي بذوبانه في النّظام الكونيّ، باحثًا عن الإكسير الأبديّ.
في المسيح على الصّليب، تجلّت عظمة الله، محبّة الله المجانيّة، محبّة وحبّ الخالق للمخلوق، توق المطلق إلى المحدود، في المسيح الأقنوم (الشّخص) أصبح الشّخص الإنسانيّ فرادة مميّزة نسبة للإلهيّ.
في المسيح، لا مجال لتسخيف ألم الأبرياء؛ فالإله المتألّـم يعطي كلّ مجروح، ومتروك، وضائع، ومستعبد بالخطيئة، مفهومًا جديدًا، وبُعدًا جديدًا في ​الحياة​ والموت.
مع المسيح، ما عاد الإنسان يرفع نظره إلى السّماء ليرى الله، بل يكفي أن ينظر إلى الآخر، من خلال النّظر إلى أعماقه، فيجد ملكوت الله.
في المسيح الفصحيّ، تجدّدت أيقونة الإله في الإنسان، وصورة الإنسان لذاته. في زماننا الرّاهن، بينا الوباء والأزمات في المجالات كافّة، وكيان الوطن في خطر، نقف أمام المسيح المسمّر على الصّليب، وأمام الموت بمختلف أشكاله، وقدرات العقل والتّعقّل جامدة في ابتداع الحلول أمام بيلاطسيّين إسخريوطيّين، إلّا أنّنا، نحن على صورة إلهنا، قياميّون، وسوف نبقى.
ولتبقَ الدّعوة أغوسطينيّة أكوينيّة "نؤمن لنفهم"، أو "نفهم فنؤمن"، دعوة إلى إيمان الإنسان بنفسه وبالله الّذي صار إنسانًا ليخلّص الإنسان.
فيا ربّ المتألّـمين، أعطِ لآلامنا معنًى خلاصيًّا، أعطِنا قوّة الصّبر في المخاض، قائلين: مع آلامك يا يسوع، بانتظار بشارة القيامة، بشارة جديدة، ولادة جديدة على الصّعيد الوطنيّ والإنسانيّ.