بعد الخطاب الماضي لأمين عام "​حزب الله​" ​السيد حسن نصرالله​، ظنّ الكثير من المتابعين، بسبب النبرة الهادئة التي اعتمدت، أن الأبواب فتحت أمام الحل الحكومي، خصوصاً أن السيد نصرالله كان قد طرح، في الخطاب الذي سبقه، مجموعة من الأفكار التي فُسّرت على أساس أنها تعيد الأمور إلى المربع الأول، من "نصيحة" الذهاب إلى حكومة تكنوسياسية إلى طرح تفعيل حكومة ​تصريف الأعمال​ ب​رئاسة​ ​حسان دياب​، لكن ما هي إلا أيام قليلة حتى تبين أن الأمور لم تخرج من دائرة المربع الأول.

هذا الواقع، تأكد، في ​الساعات​ الماضية، نتيجة جولة المشاورات والإتصالات التي شهدتها الساحة المحلية، لا سيما بعد سقوط طرح اللقاء بين رئيس ​الحكومة​ المكلف ​سعد الحريري​ ورئيس "​التيار الوطني الحر​" النائب ​جبران باسيل​، وبعد النتيجة التي وصلت إليها الزيارة التي قام بها ​وزير الخارجية​ المصري ​سامح شكري​ إلى ​بيروت​، والتي صبّت في إطار تكريس الإنقسام السياسي في البلاد، نظراً إلى أنّ ​القاهرة​ أظهرت، في الشكل والمضمون، رغبة في التموضع في إطار محور محلّي على حساب الآخر.
في هذا السياق، تشير بعض الأوساط السياسية، عبر "النشرة"، إلى أنّ الزيارة المصرية جاءت في إطار قرار عربي خليجي للتصعيد في ​لبنان​، عبر الذهاب مباشرة إلى دعم رئيس الحكومة المكلّف مقابل رمي المسؤولية عن التعطيل على كاهل كل من "حزب الله" و"التيار الوطني الحر"، بدليل إستثناء شكري للحزب والتيار من مروحة اللقاءات الموسعة التي عقدها خلال زيارته، وتضيف: "هذا الأمر لا يمكن أن يُفسّر إلا في سياق التوجّهات ​السعودية​ الواضحة، التي تشترط تشكيل حكومة لا يتمثّل فيها الحزب والتيار بشكل مباشر أو غير مباشر".
بالتزامن، تعتبر هذه الأوساط أنّ هذا الواقع ينعكس أيضاً على مصير المبادرة الفرنسيّة، التي تشهد في الأصل إنقساماً حول أسباب عرقلتها في الأروقة الفرنسيّة بين توجّهين، ما يؤكد بشكل حاسم أنّ ​باريس​ غير قادرة لوحدها على إنضاج أيّ حل في لبنان، لا سيما إذا ما كانت الظروف الإقليميّة والدوليّة غير مشجّعة، وبالتالي لم يعد من المنطقي الرهان عليها، بغضّ النظر عن ​سياسة​ العصا والجزرة التي تعتمدها مع الأفرقاء المحليين.
أما بالنسبة إلى المبادرات المحلّية، التي كان آخرها تلك التي تقدّم بها رئيس ​المجلس النيابي​ ​نبيه بري​ بعد الطرح الذي كان قد حمله رئيس "​الحزب التقدمي الإشتراكي​" ​وليد جنبلاط​، فهي، بحسب الأوساط نفسها، لا يمكن أن تذهب بعيداً في ظلّ العراقيل التي يشهدها الملف الحكومي، وهي النتيجة التي كان قد توصل إليها ​البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي​، الذي سبق له أن أكّد في أكثر من مناسبة أنّ مصدر العرقلة خارجي بالدرجة الأولى.
أمام هذا الواقع، لدى بعض المصادر السياسية قناعة بأن لا أفق لأي حل حكومي في الوقت الراهن، نظراً إلى أن الأمر بات مرتبطاً إلى حد بعيد في مسار المفاوضات الأميركية ال​إيران​ية حول الإتفاق النووي، وبالتالي أيّ معالجة تنتظر معرفة الخيط الأبيض من الأسود بالنسبة إلى هذه المفاوضات، التي على الرغم من الأجواء الإيجابيّة التي تحيط بها لا يمكن أن تنتهي في وقت قريب، خصوصاً أنّ الإنتخابات الرئاسيّة الإيرانيّة، المقرّرة في شهر حزيران المقبل، على الأبواب، وقد يكون هناك مصلحة في تأجيل أيّ إتفاق إلى ما بعد الإنتهاء من هذا الإستحقاق.
من وجهة نظر هذه المصادر، هذا الواقع قد يقود إلى المزيد من التصعيد، في الأيّام المقبلة، نظراً إلى أنّ عنوان التفاوض في ​فيينا​ لا يقتصر على الجانبين الإيراني والأميركي، بل يشمل العديد من الأفرقاء الراغبين في الدخول على هذا الخط، وأبرزهم الجانب السعودي الذي يريد أن يكون فريقاً في أيّ مفاوضات مع ​طهران​، بعد أن كان موقف ​الرياض​ من الإتفاق في نسخته الأولى سلبيا، الأمر الذي قد يدفعه إلى التمسك أكثر بالعديد من الأوراق التي بين يديه في الساحات المشتركة.
في المحصّلة، مفتاح الحل والربط بين ثلاث قوى خارجيّة أساسية: ​أميركا​، إيران، السعودية، بينما الجّهات الأخرى تسعى إلى حجز موقع لها في الوقت الضائع. والساحة اللبنانيّة لم تعد، كما كان عليه الحال في فترات ماضية، محيّدة عن دائرة الصراع بل باتت في قلبه، ما يعني أن أيّ حل منتظر يجب أن تلتقط إشاراته من العواصم الثلاث فقط لا غير.