عند تشكيل حكومة ​تصريف الأعمال​ الحالية ب​رئاسة​ ​حسان دياب​، صُور ​وزير المالية​ ​غازي وزني​ على أساس أنه الشخصية التي تمثل نموذج التكنوقراط التي يحلم بها ​اللبنانيون​، على أساس الطروحات التي كان يقدمها حين كان "خبيراً". لكن ما هي إلا أيام قليلة حتى تبين أنه الشخصية التي ستجعل المواطنين "يكفرون" بهذا النموذج.

في التصريح الأول له بعد تعيينه، بشّر وزني اللبنانيين بأنه من المستحيل أن يعود سعر الصرف إلى المعدّل الذي كان عليه، حينها كان يبلغ نحو 2000 ليرة مقابل ​الدولار​ الواحد، لا بل أكد لهما أنه سيستمر بالارتفاع. لكن "الرهان" كان على الإجراءات التي سيقوم بها للحد من سرعة الانهيار، على الأقل، لكن سرعان ما تبيّن أنّ هذه المعالجة عجز عنها، في ظل حالة الضياع التي يعيشها.
في هذا الإطار، يمكن الحديث عن مجموعة من الأحداث التي تلاحقت، طوال الأشهر الماضية، لكنها تصب في اتجاه واحد يدفع إلى سؤال جوهري: ماذا فعل وزني طوال مدة توليه هذا المنصب من الناحية العملية؟.
وزير المالية "التكنوقراطي" لم يدافع عن خطة ​الحكومة​ التي هو عضواً فيها في أي يوم، بغض النظر عن مدى جدواها أو فعاليتها. كما فشل في تقديم المشروعاً المعدل لقانون الكابيتال كونترول بالرغم من أهميته، بعد أن سحبه في المرة الأولى نتيجة ما اعتبر أنها "تشويهات" لحقت به، الأمر الذي سمح بالاستمرار في تهريب الأموال إلى الخارج من قبل "المحظيين"، بينما كانت ​المصارف​ عاجزة عن تسليم المواطنين ودائعهم.
في الفترة الماضية، ظنّ الكثيرون أن "الانجاز" الأعظم لوزني سيكون مشروع ​موازنة​ العام 2021، الذي لم يبادر إلى وضعه إلا بعد تدخلات من قبل مجموعة من السفراء، بسبب الكوارث التي تضمنها، إلا أن الرجل لا يتوقف عن محاولات التفوق على نفسه، فهو يبحث في كل يوم عن كيفية ارتكاب كارثة أفظع من التي سبقتها. وكأنه يسعى إلى دخول التاريخ بوصفه أسوأ وزير مالية عرفته البشرية.
في الأيام الماضية، كانت أصابع الاتهام توجه إلى وزني، بسبب الدور الذي يقوم به على مستوى "تطيير" التدقيق المالي الجنائي في حسابات ​مصرف لبنان​، في ظل الاتهامات المتبادلة بين الوزارة والمصرف، الأمر الذي دفع ​رئيس الجمهورية​ ​ميشال عون​ إلى توجيه إنذار إلى ​الوفد اللبناني​، قبل أن يقرر الخروج برسالة اعلامية إلى الرأي العام، نظراً إلى أن الوزارة المكلفة بمتابعة هذا الملف عاجزة عن القيام بواجباتها. إلا أن وزير المالية، الذي من المعروف أنه يصدر نفياً أو توضيحاً عند أي تصريح أو حديث صحافي له، مستمر في "التخبيص"، الذي توج بالحديث الصحافي الذي أدلى به، يوم أمس، قبل أن يعلن، بعد ساعات، أن ما نُقل عنه لم يكن دقيقاً.
بالأمس، قرر الوزير "التكنوقراطي" أن يخبر اللبنانيين أن احتمالية خسارة ​أموال المودعين​، التي كانت "قدس الأقداس" طوال الفترة الماضية، موجودة بالنسبة إلى جميع المودعين لكنها ليست حتمية، من دون أن يخبرهم عن الصفة التي يتحدث بها، فهل كان يتحدث بصفته وزير المالية الذي لم يقم بأي شيء لحماية هذه الودائع أم بصفته "خبيراً" يطالب وزير المالية بأخذ اجراءات معينة؟.
قد يكون من الصعوبة في مكان مطالبة وزني اليوم بالاستقالة، نظراً إلى أن الحكومة في الأصل مستقيلة، لكن من المفيد الطلب منه الصمت أو التوقف عن تصريف الأعمال على أن يتولى وزير المالية بالوكالة مهامه، نظراً إلى أن حجم "التخبيص" الذي يقوم به لم يعد يحتمل، ما يدفع بالكثيرين إلى السؤال عما إذا كان ما يقوم به هو ينمّ جهل أم أنه متعمّد والهدف منه زيادة حجم الكارثة قبل ولادة ​الحكومة الجديدة​ التي تنهي دوره؟!.