لمن كان يشكك بأن الامور في ​لبنان​ تحصل فقط بـ"استفاقة" لبنانية، فقد اصبح يعلم علم اليقين ان كل ما يعتقده مغلوط بأقل تقدير وخاطئ بالمعنى الحقيقي. ففي خضم ازمة اقتصادية ومالية لم يشهد مثلها لبنان في تاريخه القديم والحديث، وفي عز الازمة السياسية البالغة التعقيد التي تتدخل فيها دول صديقة وشقيقة وعدوة من كل اصقاع ​العالم​ سراً وعلناً، برز فجأة ملف ​ترسيم الحدود​، والاهم ان بروزه هلّ من ​الجنوب​ ووصل الى ​الشمال​، أيّأنّ لبنان بات بين كماشتي ​اسرائيل​ و​سوريا​ في هذا المجال. في المبدأ إن أي ملف بهذه الاهمية، يحتاج الى اوضاع ثابتة ومستقرة يتفرّغ فيها المسؤولون والمعنيون كي يبحثوا كل الادوات والسبل والذرائع الكافية لتمتين مركزهم في التفاوض وتحصيل حقوقهم كاملة، او على الاقل الغالبية العظمى منها اذا ما وصلت الامور الى التسوية، او في حال الاضطرار الى إيجاد مخرج آخر، يتمّ تسليم الملفّ سراً الى دولة كبرى تتولى التفاوض عن ​الدولة​ المعنية بما "يُشبع" الدولة المعنيّة ويحفظ حقوق الدولة الراعية. هذا الوضع لا ينطبق على لبنان لا بالشكل ولا بالمضمون، فلا هو في وضع مستقر للتفرّغ لهذا الملف، ولا هو قادر على تسليم الموضوع الى دولة كبرى لأنّ مصالح هذه الدول تتضارب والجميع يريد المشاركة في قسمة "جبنة الغاز و​النفط​". ليس من الصدفة عمل ​الادارة الاميركية​ السابقة على تسخين ملف المفاوضات مع اسرائيل فيما لبنان في عزّ العاصفة، والمستغرب قبول لبنان بهذا الوضع واعتباره بمثابة "انجاز"، وليس صدفة ايضاً ان "تزرك" سوريا جارها اللبناني بتلزيم شركة روسيّة ملفّ ​التنقيب​ عن ​النفط والغاز​ في مناطق غير واضحة المعالم مع لبنان، ومن يقول عكس ذلك فهو اما "غائب عن السمع"، او يريد ان يوهم نفسه ان حظ لبنان العاثر هو السبب في كل ما يشهده هذا البلد من ويلات ومصائب.

هناك امر ما في لبنان يجذب اليه الجميع، ليس من باب المحبّة، بل من باب المصلحة، وعلى سبيل المثال، وعلى الرغم من كل النكبات والويلات التي يعيش فيها، تنهال العروض الاوروبيّة والدوليّة للنهوض ب​مرفأ بيروت​، فأيّ منطق هذا الّذي يجعل الجميع يتهافتون على تقديم عروضهم في وقت يعاني منه البلد من ازمة ماليّة واقتصاديّة خانقة تهدّد وجوده، ومن وضع سياسي مأزوم يفرض تعليق تشكيل ​حكومة​ لأشهر ويبشّر البعض في أنه سيستمر الى أشهر اخرى؟ ألا يجب على الدول والشركات الخارجية انتظار جلاء الغيوم و​الضباب​ عن المشهد العام، كي يعملوا على تقديم العروض و"اغراء" اللبنانيين بما يخططون له ليصبح ​المرفأ​ علماً من اعلام المنطقة؟.
على أي حال، يجد لبنان نفسه اليوم بين مطرقة الاميركيين وسندان الروس، فاسرائيل تفاوض بمظلّة اميركية، وسوريا لبست المعطف الروسي، علماً ان البلدين الكبيرين يملكان اسهماً كبيرة في المنطقة وفي لبنان طبعاً، يحاولان استثمارها بالطريقة التي تناسبهما اولاً، وتحاول انقاذ ماء الوجه للبنانيين ثانياً. ولا شك انه بالنسبة اليهما، فإنّ دفع اللبنانيين الى التفاوض في ظروف صعبة، اسهل عليهما بكثير من وضعهم على طاولة المفاوضات ببال مرتاح واستقرار كبير، وقد يكون ثمن "إرضاء" لبنان رخيصاً جداً نسبة الى الثمن الذي كان من الممكن دفعه في حال التفاوض وسط جبهة داخلية لبنانيّة هادئة ومراقبة لكلّ "شاردة وواردة" في هذا الملفّ. ليس الاميركيون والروس بأغبياء، وهم يعلمون تماماً أنّ المسؤولين اللبنانيين يتجاوبون معهم في الصيغ التي يطرحونها، ولكن كان يجب "الهاء" الناس بأمور اكثر ​حساسية​ لتمرير ما يجب تمريره في هذا المجال، فكانت مسألة "​الحياة​ او الموت" هي الطبق الساخن الذي تكفّل بادخال اليأس الى القلوب، بحيث بات ​اللبنانيون​ يقبلون بأيّ شيء للخروج من مأزقهم. هذه هي حنكة الدول الكبرى التي تتلاعب بالدول الصغيرة وفقاً لحساباتها، ويبقى ان نعلم ثمن هذا الـ"اي شيء" لنخرج من أزمتنا، فيما لا يزال البعض يصرّ على اعتبار الازمة داخلية!.