إستهداف ناقلة نفط إيرانيّة قُبالة ساحل مصفاة مدينة بانياس السُوريّة بإعتداء صاروخي منذ بضعة أيّام، يدخل في سياق ما يُعرف بإسم حرب السُفن المَفتوحة بين إيران وإسرائيل. والهجمات الصاروخيّة الإسرائيليّة التي إستهدفت مُنتصف الأسبوع الماضي بطاريات صواريخ في منطقة الضمير في ريف دمشق، ردًا على صاروخ أرض-جوّ أطلق في إتّجاه طائرة إسرائيليّة خلال غارة سابقة، وسقط في مكان قريب من مفاعل "ديمونا" النووي في ​صحراء​ النقب جنوب إسرائيل، يدخل في سياق حرب ​الصواريخ​ المَفتوحة بين إيران وإسرائيل أيضًا. لكنّ الخطير في الموضوع أنّ هذه المعارك إقتربت من ​لبنان​ أكثر فأكثر، بحيث بات السؤال الذي يفرض نفسه، هو: متى ينزلق لبنان في معارك السُفن والصواريخ بين إيران وإسرائيل؟.

لا شكّ أنّ وتيرة الهجمات المُتبادلة التي تستهدف سُفنًا نفطيّة، أكانت إيرانيّة أم إسرائيليّة، قد إرتفعت كثيرًا خلال الأسابيع القليلة الماضية. ولا شكّ أنّ وتيرة الهجمات التي تُنفّذها إسرائيل ضُدّ ما تصفه بمخازن ​أسلحة​ وصواريخ إيرانيّة في ​سوريا​، قد زادت كثيرًا أيضًا خلال الأسابيع الماضية. والمُشكلة أنّ إسم لبنان بات يتردّد أكثر فأكثر في خضم هذه المَعمعة الأمنيّة، فالكثير من الغارات والإعتداءات الإسرائيليّة ضُدّ سوريا، تُنفّذ من فوق الأجواء اللبنانيّة، وفي الثامن من نيسان الحالي سقطت بقايا صاروخأطلقته وحدات الدفاع الجوّي الصاروخي السُوري كانت تتصدّى لغارات إسرائيليّة قرب دمشق، في بلدة "حولا" الجنوبيّة. من جهة أخرى، ذكرت وسائل إعلاميّة مُختلفة أنّ الإعتداء الإسرائيلي الأخير ضُدّ ناقلة ​النفط​ في "بانياس"، تمّ من ​المياه​ الإقليميّة اللبنانيّة! والحملات الإعلاميّة الإسرائيليّة على مخازن صواريخ "حزب الله" الدقيقة في لبنان، مَفتوحة على مصراعيها...
وبحسب العديد من المُحلّلين الغربيّين المُتخصّصين في ملفّات ​الشرق الأوسط​، إنّ إسرائيل ستزيد في هذه المرحلة من وتيرة الضربات الصاروخيّة التي تُنفّذها ضُدّ أهداف عسكريّة تابعة بشكل مُباشر أو غير مُباشر لإيران في سوريا،وضُدّ سفن النفط الإيرانيّة، وذلك لأنّ مصلحتها تقضي برفع مُستوى التوتّر مع إيران التي تُحاول بدورها رفع العُقوبات عنها عن طريق التفاوض. ورأى هؤلاء أنّ المرحلة الحاليّة دقيقة جدًا، لأنّ إسرائيل ستضع كل ثقلها لإفشال مُحاولات إيران العودة إلى الإتفاق النووي الذي يصبّ في مصلحتها. وأضافوا أنّ ​تل أبيب​ ستُحاول من خلال أعمالها العسكريّة الهُجوميّة، الإضاءة على الترسانة الصاروخيّة الإيرانيّة والتي باتت مُنتشرة في العديد من الأماكن إقليميًا، خاصة في لبنان وسوريا واليمن و​العراق​، إضافة طبعًا إلى إيران، مع ما يعنيه هذا الواقع من تهديد مباشر لأمن إسرائيل، ولأمن مُختلف دول المنطقة التي تُغرّد خارج سرب "محور المُمانعة". إشارة أيضًا إلى أنّ الجانب الإسرائيلي يُدرك تمامًا أنّ القصف الصاروخي الذي ينطلق من أراض يمنية تقع تحت سيطرة مُقاتلي"أنصار الله" المَدعومين والمُسلّحين من قبل إيران، والذي يستهدف أهدافًا في العمق السُعودي، رفع من خبرات "الحرس الثوري الإيراني" الميدانيّة، وسمح بتطوير ترسانة الصواريخ الباليستيّة التي تملكها إيران، كمًا ونوعًا.
وفي ما خصّ حرب السُفن النفطيّة، ليس بسرّ أنّ إيران تسعى بأساليب مُختلفة إلى التهرّب من العُقوبات الأميركيّة، وإلى تصدير نفطها إلى أسواق تُناصب العداء للولايات المتحدة الأميركيّة. وعلى خطّ مُواز، إنّ سوريا التي كانت تُنتج قبل الحرب التي إندلعت في العام 2011، نحو 400 ألف برميل نفط يوميًا، تُعاني حاليًا من نقص كبير في مُشتقّاتها النفطيّة بعد تراجع هذا الإنتاج إلى أقلّ من 90 ألف برميل في اليوم، علمًا أنّ أكثر من 80 % من الآبار تقع في مناطق يُسيطر عليها الأكراد، الأمر الذي زاد من حاجة النظام السُوري لإستيراد النفط. وهذه المصلحة النفطيّة الإيرانيّة-السُوريّة، تُقابلها مساع إسرائيليّة لضرب وتعقّب ناقلات النفط الإيرانيّة، ولضرب وتخريب مصافي النفط السُوريّة، في مُحاولة لزيادة حدّة الحصار الإقتصادي المَفروض على كلّ من دمشق وطهران، علمًا أنّ لبنان يدخل أيضًا لا إراديًا في صلب هذه المُواجهة، من خلال عمليّات التهريب التي تتمّ من أراضيه للمُساعدة على صُمود النظام السُوري.
والخطر قائم حاليًا من أنّ يُؤدّي تصاعد حرب السُفن النفطيّة بين إيران وإسرائيل، وكذلك حرب الصواريخ المُتبادلة بين هذين العَدويّن اللدودين، إلى إحتدام المُواجهة بينهما، بشكل مُواز للمُفاوضات القائمة بين طهران والغرب لرفع العُقوبات. ومن شأن أيّ خطأ في الحسابات بين أيّ طرف، أن يدفع إلى توسيع دائرة الكباش الساخن الحاصل حاليًا، مع ما يعنيه هذا الأمر من خطر توسّع ساحات القتال بينهما، خاصة وأن إسرائيل تريد الإضاءة على الخطر الصاروخي الذي تُشكّله مخازن الصواريخ الدقيقة في لبنان، والتي لا تقلّ خُطورة إطلاقًا عن تلك المَوجودة في سوريا والتي تُهاجمها إسرائيل دوريًا.
في الختام، إنّ النتيجة التي ستفضي إليها المُفاوضات القائمة حاليًا على مُستوى الملفّ النووي الإيراني ستترك إنعكاسات كبرى على مصير المنطقة ككلّ لسنوات طويلة. ولهذا السبب تُحاول إسرائيل أن تدفع نحو أن يتضمّن أيّ إتفاق مُحتمل مع إيران، حلاًلمسألة الصواريخ الدقيقة والبعيدة المدى التي تُهدّد أمنها الإستراتيجي. ولن تتردّد إسرائيل في إستخدام كل الوسائل السياسيّة والدبلوماسيّة والعسكريّة لتحقيق هذا الهدف. فهل تبقى الردود عليها مَضبوطة السقف-كما هي حاليًا، أمّ أنّنا سنشهد تصعيدًا أمنيًا بموازاة المُفاوضات الحامية؟ والأهمّ هل سيبقى لبنان في منأى عن هذا الصراع، لأنّ موعد المعركة الكُبرى لم يحن بعد، أمّ أنّ الإعتداءات الإسرائيليّة الآخذة بالتوسّع وبالإقتراب من لبنان، والردود عليها، ستُدخلنا-من حيث لا ندري، في خضمّ عمليّة شدّ الحبال الإقليميّة والدوليّة الساخنة القائمة حاليًا؟!.