منذ انفجار "خلافه" مع ​رئيس الجمهورية​ ​ميشال عون​، ومن خلفه رئيس "​التيار الوطني الحر​" الوزير السابق ​جبران باسيل​، يصرّ رئيس ​الحكومة​ المكلف ​سعد الحريري​ على أنّ "الاعتذار" الذي يحاول عون وباسيل "جرّه" إليه، غير وارد، بل "أضغاث أحلام".

في هذا الموقف، يستند الحريري إلى أنّ ​الدستور​ لا يقيّده بأيّ مهلة زمنيّة، وأنّ "لا شيء يخسره" لو بقي رئيس حكومة مكلَّفًا، بخلاف "العهد" الذي يبقى المتضرّر الأول، طالما أنّه عاجزٌ عن سحب ورقة التكليف من جيبه، ومحاولة تعويض ما فات بإنجازٍ ما.
ومع أنّ تيار "المستقبل" قال قبل أيام، مخاطِبًا باسيل، إنّ رهانه على سحب الحريري من معادلة التأليف هو "رهان إبليس على دخول الجنّة"، إلا أنّ نَفَسًا جديدًا بدأ يُرصَد في الساعات الماضية، لدى مقرّبين من الحريري يؤكّدون أنّ الأخير "يدرس خياراته".
ويعتقد كثيرون في هذا السياق، أنّ الاعتذار قد يكون على رأس "الخيارات" التي يدرسها الحريري، خلافًا لكلّ ما كان يقوله سابقًا، ربما لأنّه أدرك أنّ هناك "استحالة" للتوصل إلى أيّ حلّ في ظلّ المعطيات الراهنة، أو لأنّه شعر بأنّه "فقد المظلة الدولية"، وفق ما يرى خصومه.

الحريري "غير مرتاح"

لا يخفي المقرّبون من الحريري كما خصومه، شعورهم بأنّه ليس راضيًا عن مسار الأمور، ولا مرتاحًا للدرك الذي وصلت إليه، وأنّه لذلك يفكّر جدّيًا، وللمرّة الأولى منذ تكليفه تشكيل الحكومة، بـ"قلب الطاولة"، من خلال الاعتذار عن استكمال مهمّته، التي أضحت برأي كثيرين تعجيزيّة، بل مستحيلة إلى حدّ بعيد.
يعود هذا الشعور، في شقّه الداخليّ، إلى اعتقاد الحريري بأنّ "شعرة معاوية" بينه وبين فريق "العهد"، ممثَّلًا بعون وباسيل، قد قُطِعت عمليًّا بالكامل، وبأنّ لا مجال لإعادة ترميمها في الوقت الحاليّ، بعدما وصل التراشق الكلاميّ بينهما إلى حدّ توزيع الاتهامات بـ"الكذب"، وهو ما تُرجِم في السجالات الإعلاميّة الأخيرة.
بيد أنّ هذا الشقّ قد لا يكون أكثر من "تفصيل" برأي كثيرين، باعتبار أنّ "عدم ارتياح" الحريري عائدٌ لسلسلة من المؤشرات الخارجية التي لم تَبدُ لا مطمئنة ولا مشجّعة بالنسبة إليه، يكمن أولها، وربما أهمّها، في الموقف السعوديّ، الذي بدل أن "يَلين"، زاد تعقيدًا مع قرار حظر دخول المنتجات الزراعية اللبنانية، والذي فُسّر رسالة سلبيّة إلى أفراد الطاقم السياسي في لبنان، "كلّن يعني كلّن"، ولكن بشكل خاص إلى الحريري نفسه.
ومع أنّ الحريري كان ينفي ما يتّهمه به خصومه لجهة انتظاره "المباركة السعودية" قبل المضيّ في تشكيل حكومته، لأنّه يريد "صلحًا" لا "صدامًا" مع المملكة، فإنّ كثيرين يعتقدون أنّ "اعتذار" الحريري، إن حصل، قد لا يكون مرتبطًا، أيًا كانت ذرائعه، سوى بالموقف السعوديّ، لأنّ "الرسالة وصلت"، وبالتالي فهو غير جاهز لتأليف حكومة، تقاطعها المملكة، بصورة مباشرة، أو حتّى تعاملها كما عاملت حكومة حسّان دياب مثلاً.

ماذا عن الموقف الفرنسي؟

ليس خافيًا على أحد أنّ "عدم ارتياح" الحريري ليس عائدًا فقط إلى الموقف السعوديّ، وإنما يشمل الموقف الفرنسيّ أيضًا، رغم أنّ رئيس الحكومة المكلَّف وُصِف في الفترة الأخيرة بأنّه "وكيل" الفرنسيّين في لبنان، لا سيّما بعدما نصّب نفسه "الوصيّ" على تطبيق مبادرتهم، وهو ما أثار امتعاض كثيرين من خصومه في الداخل.
ولعلّ "التسريبات" التي استبقت زيارة وزير الخارجية الفرنسي ​جان إيف لودريان​ إلى ​بيروت​، وتحدّثت عن نيّة لـ"استثناء" الحريري من "أجندة" الموفَد الفرنسيّ، أثارت "نقزة" لدى الحريري، الذي يرفض "مساواته" بمن يقول إنّهم المعطّلون الحقيقيّون للتشكيل، في حين أنّ الشروط التي يصرّ عليها لتأليف حكومته نابعة بمجملها من "روح" المبادرة الفرنسيّة، وهي ليست حتّى من "بنات أفكاره" لتتمّ محاسبته عليها.
وإذا كان هناك من يربط الموقف الفرنسيّ بـ"امتعاض" من إفشال الحريري لآخر "مبادرات" ​باريس​ حين حاولت جمعه مع رئيس "التيار الوطني الحر" في العاصمة الفرنسية، فإنّ بعض العارفين يتحدّثون عن "رسالة" أخرى وصلت إلى الحريري، فرنسية روسية مشتركة هذه المرّة، رفضًا لـ"شخصنة" الخلاف بينه وبين باسيل، علمًا أنّ الحريري لا يخفي "امتعاضه" أيضًا من استقبال موسكو للوزير باسيل، رغم الضغوط التي بذلها لإلغاء الزيارة.
لكلّ هذه الأسباب، يسرّب المقرّبون من الحريري أنّه "يدرس خياراته"، "خيارات" يُقال إنّها ستتبلور بموجب زيارة لودريان إلى بيروت، وفق قاعدة أنّ "ما قبلها لن يكون كما بعدها"، ما يعني أنّ رئيس الحكومة المكلَّف سينتظر "استكشاف" نتائج هذه الزيارة، ليقرّر ما إذا كان سيبقي على ورقة التكليف في جيبه، أم أنّه "سيعيدها" إلى رئيس الجمهورية، على طريقة "إزاحة" كرة المسؤولية عن كاهله، وترك رئيس الجمهورية يدبّر أمره.

"سابق لأوانه"

قد يكون الحديث عن "اعتذار" الحريري، ولو بقي في دائرة التسريبات والتكهّنات، "حدثًا" على خطّ تأليف الحكومة، بالنظر إلى "الجمود" الذي يلازم الملفّ منذ أسابيع طويلة، ورفض الحريري مجرّد التداول بمثل هذا "السيناريو" لكونه من "سابع المستحيلات".
لكنّ الأمر لا يزال مجرّد "فكرة"، إذ إنّ من يشيرون إلى أنّ الحريري "يدرس خياراته"، يجزمون بأنّ الحسم يبقى "سابقًا لأوانه"، بانتظار انتهاء زيارة لودريان، وما يمكن أن ينجم عنها، ومدى دقّة الحديث عن "عقوبات" ستشمل الجميع دون تمييز أو استثناء.
ولا شكّ أنّ المحسوبين على الحريري "يُخضِعون" هذه الفكرة لميزان الربح والخسارة، إذ إنّ "الشيخ سعد" يرفض تقديم أيّ "هدية مجانية" لعون وباسيل، وهو لا يحبّذ الإقدام على أيّ خطوة يمكن أن يصوّرها فريق "العهد" انتصارًا له، ولو من الناحية المعنويّة.
إلا أنّ هناك من يعتقد أنّ هذا "الانتصار" لن يعني كثيرًا، لأنّه سرعان ما سينقلب على صاحبه، لأنّ انسحاب الحريري لن يؤدّي إلى فرش طريق التأليف بالورد أمام "العهد"، الذي قد لا ينجح حتى في "استنساخ" تجربة حكومة حسّان دياب مع كلّ مساوئها وويلاتها...