"الشجاعةُ هي السيطرةُ على الخَوفِ وليسَت انعدامَ الخوف". هذا ما قاله يومًا الرّئيسُ الفرنسيّ السّابقُ "فرنسوا ميتران".

وقد أجمَعَ عُلماءُ النَّفسِ والاجتِماع على أنَّ وُقوعَ الإنسانِ أسيرًا للخَوفِ هو مرضٌ، كما أتَت جملَةُ "جان بول سارتر" الشّهيرة: "مَن لا يخافُ ليسَ طبيعيًّا، لكن لا علاقةَ لهذا بالشَّجاعة".

يختُمُ إنجيلُ هذا الأَحدِ، الذي هو أَحدُ حامِلاتِ الطّيب، بالتالي: "فَخَرَجْنَ سَرِيعًا وَهَرَبْنَ مِنَ الْقَبْرِ، لأَنَّ الرِّعْدَةَ وَالْحَيْرَةَ أَخَذَتهُنَّ. وَلَمْ يَقُلْنَ لأَحَدٍ شَيْئًا لأَنَّهُنَّ كُنَّ خَائِفَاتٍ"(مرقس ٨:١٦).

كيفَ ذَلكَ وهُنَّ اللّواتي أَتَينَ القَبرَ بَاكِرًا، ولم يخَفْنَ لا مِنَ الحُرّاسِ الّذينَ كانُوا يحرُسُونَه، ولا اهتمَمنَ لِمَن سوفَ يُدحرجُ لَهُنّ حَجرَ القَبر الّذي كان كبيرًا جدًا، بل أكمَلن طريقَهُنَّ بِعَزمٍ وثَباتٍ، فوجَدْنَه قَد دُحرِج. كما التَقَينَ مَلاكًا قَالَ لَهُنَّ لاَ تَنْدَهِشْنَ المسيحُ قام!.

لِنَتوقَّفْ عندَ نُقطَتين: "لا تَندَهِشن" و"كُنَّ خائِفات".

بالنِّسبةِ للعِبارَةِ الأولى، كان مِن غيرِ المُمكن لِوَاهِبِ الحَياةِ أن يُضبَطَ في القَبر، وأن يَقِفَ حجرٌ أمامَهُ وهُوَ الخَالِق. فهل مَن انكَسَفَتِ الشَّمسُ أمامه، وَالأَرْضُ تَزَلْزَلَتْ تحتَ قَدَمَيهِ عندَ الصَّليبِ، وَالصُّخُورُ تَشَقَّقَتْ، يَمنَعُهُ حجرٌ؟ بِالطّبع لا، في الأساسِ هُوَ صُلِبَ طوعًا.

أمّا بِالنّسبةِ للنُّقطةِ الثّانية "وكُنَّ خائفات"، فلإدراكِ مَعناها مَسارُ شَرحٍ، ووِلادَةٌ جديدةٌ بِالمَسيحِ يَسوع.
فَليَضَعْ كُلٌّ مِنّا نَفسَهُ مَكانَ حامِلاتِ الطّيب. تُرى ماذا كان سيَشعُر؟.

ما كانَ شعورُ حامِلاتِ الطّيب؟ لقد مرّتْ بِسُرعةٍ مَهولَةٍ كُلُّ اللحَظاتِ التي قابَلنَ فيها السيِّدَ، وسَمِعنَ فيها كلامَه. كيفَ سيُقابِلنَهُ مِن جَديد؟ إنَّهن سيَقِفنَ أمامَهُ حيًّا يُرزَق. صحيحٌ أنّه أخبرَهُنَّ بأنَّه سيَقُوم، ولكن الآنَ القيامَةُ حَصَلت، ومنطِقُنا البَشريّ أضعفُ مِن أن يَستَوعِبَ كلَّ ما يجري.

يا للرّوعَةِ. قلبُنا مشتاقٌ لِلُقياهُ، ولِلَمسِه، للاتِّكاءِ على صَدرِهِ الدّافئ، ولِنَغرِفَ مِنه ونَستَكين.

اللّقاء مَهيبٌ. كيف سنَتَصرَّف؟ نَرتَجِفُ، وتأخُذُنا الرِّعدةُ والحَيرَة. هل سنَعتَرِفُ له بأنَّنا ضُعَفاءُ، وأنَّنا شَككنا لِلَحظَةٍ بِقِيامَتِه؟.

فلنَلتَزِمِ الصَّمتَ، ولنبَدأ التَّسبيحَ والشُّكرانَ وطَلَبَ الرَّحمَة.

هذا ما قالَهُ القِدّيسُ "سلوان الآثوسي(١٨٦٦-١٩٣٨م)": "قِمَّةُ الصَّلاة الصَّمتُ"، كذلك القِدّيسُ "اسحَق السُّريانيّ(القرن السابع ميلادي)": "لُغةُ الدَّهرِ الآتي الصَّمتُ".

وهكذا مَعَ قيامَةِ السيِّدِ دَخَلنا الدَّهرَ الآتي، وبَدأنا نتذَوَّقُ المَلَكوتَ مُنذُ الآن.

هكذا يَعيشُ المَسيحيُّ بِرَجاءٍ وارتِقاء، قلبُهُ مَشدودٌ إلى فَوق، رُغمَ كُلِّ ما يَدورُ حَولَهُ مِن صِعاب. وهنا تتجَلَّى الآيةُ التي قالَها الربُّ: "أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ"(يوحنا ٣٣:١٦).

هكذا نحيا ونُجاهِدُ على أملِ ألّا ينسَدِلَ غُروبُ حياتِنا، فيما نحنُ قابعون في ظُلمَةِ القَبر، ولا نَكونُ في نُورِ القِيامة.

هناك روايةٌ شَهيرةٌ اسمُها الخوف La Peur (القرن ١٩) للكاتب الفرنسيّ "Guy de Maupassant"، نُشِرَت في مجلة Le Figaro عام ١٨٨٤م.

نقرأ فيها عن قبطانٍ يَروي لِطَاقَمِهِ تَجرِبتَهُ مَعَ الخوفِ الشَّديد، وذلك نتيجةَ ارتِطامِ سفينَتِه بِصَخرةٍ، حيثُ بَقِيت عالِقَةً حوالي سِتِّ ساعَاتٍ، حتّى سادَ الظَّلامُ كُلَّ شيء، إلاّ ضوء بَعضِ النُّجومِ الّتي كانت تَلمَعُ في السَّماء. وفَجأةً اقترَبَ مِنه رَجُلٌ انكليزيّ غَريبٌ يَنقُلُ الفَحمَ فأنقَذَه.

وإذا بأحَدِ السّامعينَ، وهو رَجلٌ ذو وجهِ مَليءٍ بِالتّجاعيد، وقد خاضَ مُغامراتٍ قَاسِيةً، ووَاجَهَ مَخاطرَ صعبةً كثيرة، انبرى وصَحَّحَ للقُبطانِ مفهومَ الخَوفِ الحقيقيّ قائلًا: "لقد أخطأتَ بِاستعمالِكَ كلمةَ خوف، وأخطأتَ بِالتّعبيرِ عمّا شَعرتَ بِهِ. فالشَّخصُ المليءُ بِالطّاقَةِ لا يخَافُ في مواجَهَةِ المَخاطر. هُوَ ينفَعِلُ ويَضطربُ ويَقلَقُ، ولكنَّ الخَوفَ موضُوعٌ آخر".

فالخائفُ هو المُستَسلِمُ والذي لا يقومُ بأيّ عملٍ شُجاع. وهنا كُلُّ الفَرق.

وأَردَفَ: كُلَّ مرَّةٍ كُنتُ أشعرُ بها بأنَّ نِهايَتي قد دَنَت، وكنتُ أشعرُ بالخَوف، كنتُ أقومُ مِن جَديد. فأَدرَكتُ لاحِقًا أنَّ هذا ليسَ الخوف.

وأَكملَ: الخَوفُ شَيءٌ مُرَوِّعٌ، وإحساسٌ مُشِلٌّ، وهو تَشَنُّجٌ للعَقلِ والقلبِ، ذِكراه يُثيرُ القُشَعريرَة. لكنَّ هذا لا يَحدُثُ عندما يَكُونُ المَرءُ شُجاعًا، ولا حتّى في مواجَهَةِ المَوتِ المَحتُوم.

وسرَدَ حَادِثةً أنّه كان في إحدى الرَّحلاتِ وَسطَ صحراءٍ قاحِلَةٍ جَنوبِ ورقلة(تونس)، فضَرَبَ المِنطَقَةَ إعصارٌ شديدٌ؛ تَخيَّلُوا عاصِفَةً صامِتةً تعلُو الجِبالَ، مُحَمَّلةً بِالغُبارِ الأصفَر. وفي وسطِ هذا الجَوِّ الغاضِبِ تحتَ الشَّمسِ الجَنوبِيَّةِ المُلتَهِبَة، كُنّا نَتسلّقُ الرِّمالَ تارةً، وننزِل تارةً أُخرى، بدونِ راحَةٍ وبِدونِ ظِلّ. تتأوَّهُ الخُيولُ وتَغُوص على رُكَبِهَا، وتَنزَلِقُ على الجانِبِ الآخرَ مِنَ التِّلالِ الّتي تَبلَعُ كُلَّ شَيء فوقَها.

خانَتْنا الكَلِماتُ، وأرهَقَنا العَطش. كُنّا في عُمقِ الجَحيم. فجأةً سَمِعنا صَوتًا غَريبًا يُشبِهُ دَقَّ الطَّبلَة؛ كانَ يَتَصاعَدُ حينًا ويَضعُفُ حِينًا آخر. فقُلنا، وافانا المَوت. وبعد أن نَجَونا أُخبِرنا أنَّ ذاكَ الصَّوتُ يَصدُرُ عن صَدى اصطِدامِ حُبيبَاتِ الرَّملِ المُتطايرة بِسُرعَةٍ بخُصَلِ الأعشابِ الجَافّة.

كم مِن مرَّةٍ في حَياتِنا تَهبُّ علينا رِياحٌ مُضادَّةٌ تُحاولُ أن تُغَرِّقَنا، وتكون مَصحُوبَةً بِطُبولِ التَّشويشِ بِهَدَفِ إشاعةِ الذُّعرِ في نُفُوسنا؟.

يتكَلَّمُ العِلمُ على أنَّ الخَوفَ نوعان. خَارِجيّ ويَتمنّى المَرءُ تَجنُّبَهُ، وداخِليّ مُرتَبِطٌ بِمَشاعِرَ سَلبيَّة. والأخطَرُ هُوَ الدَّاخِلي.

والخَوفُ الأكبرُ هُوَ مِنَ الموت، وهَذا تَمامًا ما غَلَبَهُ الرَّب.

فهل هُو خَوفٌ مِنَ المَجهُولِ أم مِن عِدَمِ الوُجُود؟ هُنا يُجيبُ السيِّدُ فَيقُولُ: ليسَ مَجهُولًا لأنّي أُخبَرتُكُم. وليسَ عَدَمًا لأنّي قُمتُ وعُدت، بل هُوَ استِمرَارِيَّةٌ في حَياةٍ أبَدِيَّة.

قال الفيلسوفُ الكبيرُ Epicurus (القرنُ الرَّابعُ قبلَ المِيلاد) عَنِ الموت: "الخَوفُ مِنَ المَوتِ يَجعَلُ النَّاسَ يَمُوتُون".

وصَدَقتَ يا Sénèque (فيلسوف رومانيّ رواقي +٦٥م)، عِندما كَتبتَ في رَسائِلِكَ أنَّ الموتَ طَريقُ الحُريَّةِ، وتكلَّمتَ أيضًا على المِيتَةِ الصَّالِحَةِ لِصاحِبِ القَلبِ الطيِّب. وأضَفتَ أنَّ العَيشَ بِصَلاحٍ وحَقٍّ هُوَ ما يُقاسُ في الحَياةِ، والشَّرَ حزنٌ وعُبودِيَّةٌ ومَوت.

كُلُّ هذا يَتِمُّ في إسقَاطِ الخَوفِ الدّاخِليّ للمَوتِ كي لا يُصبِحَ رُهابًا "فوبيا"، وهذا هُوَ الأصلُ اليُونانيُّ لِكَلِمَةِ خَوف Phobia.

وحدَهُ يَسوعُ يُسقِطُهُ لأنَّ يَسوعَ هو الحَياة.