بات من الواضح للقاصي والداني انّ جولة المواجهة ​الجديدة​ التي حصلت، على مدى 11 يوماً، بين المقاومة و​الانتفاضة​ في ​فلسطين المحتلة​، والعدو الصهيوني، قد تمخضت عن انتصار جديد وثمين للمقاومة والانتفاضة، تجسّد في النجاح في فرض معادلة جديدة في الصراع المستمر مع العدو الصهيوني.. وتجلت هذه المعادلة في فرض اتفاق لوقف نار على نحو متبادل ومتزامن، مع حصول المقاومة على ضمانات بوقف الاعتداءات الصهيونية في حي الشيخ جراح و​المسجد الأقصى​ في ​القدس​ المحتلة..

هذه النتيجة، وإنْ نفى رئيس وزراء العدو بنيامين ​نتنياهو​ الإقرار بها، إلا أنها فرضت عملياً على أرض الواقع، بقوة معادلة توازن الرعب والردّ، التي أدّت عملياً وعلى مدى أيام العدوان إلى ​تحقيق​ ما يلي:
أولاً، تمكّن ​صواريخ​ المقاومة من النجاح بداية في قصف ​مدينة القدس​ المحتلة لفرض معادلة حماية عروبة القدس أرضاً وشعباً ومقدسات، وكذلك في قصف معظم المدن والمستوطنات الصهيونية في فلسطين المحتلة، طوال أيام العدوان بنفس التوتيرة من الزخم، وبالتالي عجز ​منظومة​ ​القبة الحديدية​ الصهيونية في اعتراض ومنع نحو 40 بالمئة من ​الصواريخ​ من التساقط في ​تل أبيب​ وغوش دان و​بئر السبع​ وأسدود و​سديروت​ و​عسقلان​ وغيرها من مستوطنات غلاف غزة…
ثانياً، نجاح المقاومة في إفقاد كيان العدو نعمة ​الأمن​ والأمان والاستقرار، وإسقاط ما سُمّي بالملاذ الآمن للمستوطنين الصهاينة الذي كان، الى جانب تأمين حياة الرفاه لهم، يشجعهم على ​الهجرة​ الى فلسطين المحتلة، وبالتالي البقاء واستيطان الأرض الفلسطينية والتوسع فيها… وقد نجحت المقاومة في إسقاط هذا الوهم الصهيوني، عبر شلّ ​الحياة​ و​الحركة الاقتصادية​ ووقف الرحلات الجوية في المطارات، ووقف حركة القطارات، وإجبار المستوطنون التزام الملاجئ، في معظم أنحاء فلسطين المحتلة، مما أدّى إلى تكبيد كيان العدو خسائر مادية واقتصادية كبيرة إلى جانب عشرات ​القتلى​ والجرحى في صفوف الجنود والمستوطنين الصهاينة…
ثالثاً، تمكن المقاومة من كسر شوكة جيش الاحتلال والانتصار في معركة جديدة من عضّ الأصابع والإرادات، رغم الخلل الكبير في توازن القوى العسكري لمصلحة العدو، وتواضع قوة وقدرات المقاومة، لكن الإرادة والتصميم لدى ​فصائل المقاومة​ وامتلاك الجرأة في اتخاذ قرار خوض المواجهة والبدء بها لفرض معادلة حماية القدس والمقدسيين من الهجوم ​الاستيطان​ والتهويدي، هي التي مكّنت المقاومة من الانتصار وكسر إرادة وجبروت وغطرسة المحتلّ، وإضعاف عزيمته وتصميمه على مواصلة عدوانه، بعد أن أدرك قادة جيش الاحتلال، المهزوم، مخاطر التورّط في شنّ عملية برية في غزة قد تؤدّي إلي خسائر كبيرة في صفوفه وهزيمة مضاعفة، أكبر أثر عليه وعلى الكيان، من هزيمة عام 2014.. وبالتالي اضطرار ​حكومة​ العدو إلى التسليم بالفشل والموافقة على وقف النار من دون القدرة على الحصول على صورة نصر ولو كان محدوداً.. بعد أن حاول طيران العدو واستخباراته، دون جدوى، اغتيال احد القادة الأساسيين للمقاومة.. أو الحدّ من قدرات المقاومة على إطلاق الصواريخ التي ظلت تنهمر على مستوطنات غلاف غزة حتى اللحظة الأخيرة التي سبقت دخول اتفاق وقف النار حيّز التنفيذ، في مؤشر واضح على أنّ الكلمة الأخيرة كانت لصواريخ المقاومة…
قد يقول البعض، واستناداً إلى نفي العدو ان يكون قد أعطى ضمانات للجانب المصري بوقف اعتداءاته في القدس المحتلة لطرد العائلات المقدسية من حي الشيخ جراح، وفي المسجد الأقصى، انّ العدو الصهيوني لم يتراجع ولم يرضخ، نقول له انّ الذي أجبر العدو على تأجيل قراره بطرد العائلات من الشيخ جراح ووقف دخول المستوطنين إلى باحات المسجد الأقصى وإقامة المناسبات فيها، طوال أيام العدوان، إنما هو قصف المقاومة لمدينة القدس المحتلة وحالة الهلع التي أصابت المستوطنين وفي ​الكنيست​ الصهيوني، وأنّ هذا القصف أوجد «توازن رعب وردع» للعدو، جعله مجبراً على وقف اعتداءاته في القدس المحتلة، وليس أيّ شيء آخر… وطالما أنّ المقاومة خرجت من المواجهة منتصرة وهي تملك القدرات الصاروخية أضعاف أضعاف ما استخدمته في المواجهة، كما قالت صحيفة ​نيويورك تايمز​ الأميركية، وتملك الإرادة والقرار على معاودة قصف القدس المحتلة مرة ثانية إذا ما عاود العدو استئناف اعتداءاته في القدس المحتلة، ومحاولة طرد العائلات المقدسية من حي الشيخ جراح، في ظلّ واقع دولي جديد لا يدعم مثل هذه الإجراءات «الإسرائيلية»، بل سيكون ضدّها ومديناً لها، فإنّ سلطات الاحتلال ستكون مضطرة إلى التراجع عن التصعيد في القدس المحتلة، حتى وانْ أقدمت على ذلك لردّ الاعتبار والظهور بمظهر من لم يقدّم تنازلاً.. بانتظار المراهنة على تبدّل الظروف لاستئناف مشاريعها الاستيطانية واعتداءاتها في القدس المحتلة في سياق مخططاتها التهويدي للمدينة.. ايّ انّ الصراع سيستمرّ، وما حصل إنما هو جولة من جولات هذا الصراع، أصبح فيه ​الشعب الفلسطيني​ أكثر إيماناً وثقة بقدرة انتفاضته ومقاومته على حماية حقوقه وإحباط مخططات العدو الاستيطانية لتصفية قضيته.. بعد أن برهنت الانتفاضة والمقاومة، التي وحدت الشعب الفلسطيني في كلّ أماكن وجوده في فلسطين المحتلة والشتات، برهنت على قدرتها على ردع العدو وإجباره على التراجع والانكفاء، لكن هذه المرة على أرض فلسطين المحتلة، التي تشكل محور الصراع وجوهره، وهذا ما يعطي لهذه المعادلة الجديدة، التي فرضت بقوة المقاومة والانتفاضة الشعبية الشاملة، أهمية كبيرة ستكون لها انعكاسات وتأثيرات على المراحل المقبلة من الصراع مع العدو الصهيوني.. لا سيما إذا ما أحسنت المقاومة إدارة الصراع بتكريس هذه المعادلة ومنع العدو من الانقلاب عليها.. وهو طبعاً ما سيحاول القيام به بكلّ تأكيد.. وهذا ما حصل بالأمس عندما عاود المستوطنون، بحماية جنود الاحتلال، اقتحام المسجد الأقصى، بعد عشرين يوماً من إغلاقه أمام المستوطنين، الأمر يؤكد ديمومة الصراع ويطرح تحدياً على المقاومة يستدعي منها، سريعاً، إعادة تذكير العدو بمعادلة «حماية القدس» عملياً، حتى يردع الاحتلال ولا يتجرّأ أو يستمرئ مواصلة اعتداءاته على الأقصى، ويتمادى بعد ذلك، ويعاود وضع قرار طرد عائلات حي الشيخ جراح على جدول أعماله من جديد، وإجهاض إنجاز المقاومة والانتفاضة…