مشهد ​الأزمة​ المتمادية في ​لبنان​ على الأصعدة كافة يبدو أنه مستمرّ، الى ان تنضح ظروف خارجيّة تسهم في الضغط للعودة الى فرض تسوية سياسيّة بين الأطراف السياسية… وبانتظار حصول ذلك فإنّ لبنان يتجه نحو تفاقم أزماته وفقدان الحدّ الأدنى من الخدمات الضرورية التي تقدّمها ​الدولة​، حيث تعجز عن مواصلة تأمين ​الكهرباء​ للمواطنين، في ظلّ رفض الطبقة السياسية القابضة على القرار، تحمّل مسؤوليتها الوطنية وتغليب مصالح اللبنانيين كافة، وتشكيل حكومة إنقاذ توقف الانهيار الذي لم يعُد له قعر، حيث تعطّل صراعاتها ومصالحها الضيقة ​تأليف الحكومة​، في حين ترفض التوجه شرقاً، لتأمين المشتقات النفطية عبر المقايضة مع ​العراق​، أو عبر شرائها من ​إيران​ ب​الليرة اللبنانية​، وبالتالي إصرار هذه الطبقة الممسكة بدفة القرار على ترك اللبنانيين يواجهون الظلام والخضوع لمافيا ​المولدات​، ومواجهة لهيب ارتفاع الأسعار وتدهور أوضاعهم المعيشية أكثر مما هي عليه من تدهور…

إنّ هذه الأطراف السياسية التي تعيق أيّة إمكانية للخروج من أتون الانهيار، هي التي تسبّبت سياساتها الريعية، على مدى أكثر من عقدين، في الأزمات التي يعاني منها ​اللبنانيون​ هذه الأيام، وهي التي تصرّ على مواصلة ​سياسة​ إغراق لبنان بالظلام وبالمزيد من إفقار اللبنانيين، اذا لم يتمّ الرضوخ لشروطها بإعادة تسليمها ​السلطة​ من دون قيد ولا شرط لتواصل سياساتها المدمّرة عبر بيع ما تبقى من ممتلكات للدولة استجابة لشروط ووصفات ​صندوق النقد الدولي​.. ولأنّ ذلك لم تحصل عليه قرّرت أن تعتمد سياسة ترك لبنان يواصل نزفه وغرقه في الأزمات غير مبالية بما تسبّبه من كوارث لعامة اللبنانيين الذين انهارت قدرتهم الشرائية وبات معظمهم مهدّدين بفقدان أبسط مقوّمات العيش…
لا شك في أنّ هذا التدهور المستمرّ على المستويات كافة، وصراعات الطبقة السياسية وتفسّخها وانحلالها، كان يجب أن يكون، في بلد آخر، كافياً ليولد ثورة تغييرية حقيقية تطيح بالنظام السياسي القائم وتبني نظاماً جديداً يقوم على اعتماد سياسات التنمية والعدالة والمساواة بين المواطنين، إلا أنّ ذلك غير ممكن في لبنان، وليس منظوراً في الأفق، لعدة أسباب:
السبب الأول، طبيعة ​النظام اللبناني​ الذي أقيم وبُني عبر العقود على الأساس الطائفي والتقاسم الطائفي، والذي أدى الى تجذر هذا النظام في المجتمع الذي ترعرع وتربّى جيلاً بعد جيل على التعبئة الطائفية والمذهبية… مما مكّن الأطراف السياسية الطائفية الممسكة بالسلطة، من تحويل أيّ أزمة تهدّد هذا النظام ومصالحها، إلى صراع طائفي مذهبي، وبالتالي حرف الصراع عن مساره الحقيقي بما هو صراع سياسي له بعده الاقتصادي الاجتماعي… وإحباط أيّة عملية تغيير.
السبب الثاني، نجاح النظام الطائفي في بناء ثقافة طائفيّة مذهبية مجتمعية متجذرة تعتمد آليات إنتاج الوعي الطائفي والمذهبي عبر التعليم والوظيفة والخدمة العامة والإعلام، وهي كلها وسائل تتحكّم بها الطبقة السياسية الطائفية الممسكة بمفاصل سلطة القرار.
السبب الثالث، غياب موازين قوى قادرة على فرض تغيير النظام السياسي الطائفي الريعي ووضع حدّ لسياساته، وهذا الغياب لموازين القوى يعود إلى العوامل التالية:
العامل الأول، الاستقطاب الطائفي الحادّ على صعيد المجتمع، حيث، ورغم الأزمة العنيفة، لا تزال الزعامات الطائفية المسبّبة للأزمة تحظى بتأييد شعبي واسع وسط ​الطوائف​ والمذاهب التي تنتمي إليها وتدّعي تمثيلها والدفاع عن مصالحها زوراً، فكلّ التوقعات الانتخابيّة تشير إلى أنه في حال حصلت ​الانتخابات​ النيابية اليوم فإنه من غير المتوقع أن يحصل تغيير نوعي في موازين القوى النيابية، سوى بنسبة ضئيلة جداً تتراوح بين الخمسة أو العشرة بالمئة في أحسن الأحوال، ما يعني أنّ الرهان على إحداث تغيير في الانتخابات المقبلة غير ممكن التحقق…
العامل الثاني، عدم نجاح القوى صاحبة المصلحة في التغيير في التوحّد حول برنامج مشترك في إطار جبهة عريضة قادرة على استقطاب اللبنانيين التواقين للخلاص من النظام الطائفي والريعي، لخوض النضال المتواصل ل​تحقيق​ التغيير في بنية هذا النظام، حتى ولو على مراحل، بما يولد أملاً حقيقياً لدى عامة اللبنانيين بإمكانية تحقيق التغيير… وللأسف الشديد فإنّ هذه القوى التي لها مصلحة بالتغيير مشرذمة ويعاني بعضها من الغرق في الذاتيّة والأنانيّة، ورفض العمل لبناء جبهة تضمّ الجميع على أساس القواسم المشتركة والعمل الجماعي لتحقيق الهدف الأساسي وهو النضال المشترك، بنفس طويل، لإحداث تغييرات في بنية النظام تقود إلى تغييره جذرياً، إذا لم يكن ممكناً تغييره دفعة واحدة بسبب التعقيدات التي ذكرناها آنفاً…
العامل الثالث، غياب تيار ثوريّ وطنيّ عابر للطوائف والمذاهب على رأسه قيادة تملك الرؤية والبرنامج التغيير الشامل القادر على تحويل الأزمة البنيوية العنيفة والاستفادة من انقسام وتعفن الطبقة السياسية، التي حكمت البلاد على مدى عقود، الى فرصة لبلورة موازين قوى وقيادة عملية بناء جبهة عريضة لفرض تغيير هذا النظام الطائفي الريعي المولد للأزمات.
في ظلّ هذا الواقع السيّئ يبدو أنّ الأمل حالياً وفي الظروف الراهنة بإمكانية التغيير غير متاح التحقق، مما يجعلنا أمام واحد من احتمالين:
الاحتمال الأول، تشكيل حكومة توافقية توقف استمرار الانهيار، وهذا غير متوافر حالياً بالاستناد إلى الآليات المحلية، في ظلّ اشتداد الصراع السياسيّ والتجاذب الطائفي…
الاحتمال الثاني، حصول ضغط خارجي على الأطراف السياسية التي تعيق ​تشكيل الحكومة​ لتأليفها، وهذا الضغط الخارجي يبدو أنه بانتظار إتمام الاتفاق بين إيران والدول المشاركة ب​الاتفاق النووي​ على العودة إلى الالتزام بالاتفاق ورفع العقوبات الأميركيّة وما يعنيه ذلك من إعطاء دفع لمسار الانفتاح السعودي الإيراني والسعودي السوري وعودة العلاقات إلى طبيعتها، وبالتالي انعكاس ذلك إيجاباً على لبنان…