سُئل أحد طلاب اللاهوت المتخرّجين من معهد القديس يوحنا الدمشقي في البلمند، عن سبب إصرار أسقفه، في حينه، ​المطران جورج خضر​، على انخراطه في حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة، فقال، إن المطران جورج قال لي: في البلمند تتعلم اللاهوت وفي الحركة تتعلّم الرعاية. وأضاف، إن سيدنا جورج مقتنع أن اللاهوت لا يصنع دائمًا رعاةً ولكنّ الرعاةَ الحقيقيين يصنعون اللاهوت.

الرِعاية سلاحٌ ذو حدّين منها الإيجابي ومنها السلبي. فإذا أتقنتها أنتجت وأثمرت، وإذا فشلت سقطت وأسقطت الرعيّة مع الراعي. والرب يسوع قال عن نفسه: أنا هو الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف. وأما الذي هو أجير وليس راعيًا الذي ليست الخراف له فيرى الذئب مقبلاً و يترك الخراف ويهرب فيخطف الذئب الخراف ويبددها"(يوحنّا ١٠: ١١-١٢).
الرعاية الحقيقية تتطلب سهرًا وتعبًا وجهدًا وتنازلاتٍ حينًا وخصامًا بالحقّ أحيانًا. معظم الناس يعتقدون أن الراعي، سواء الكاهن أو الأسقف، موظفٌ يؤدي دورًا لإدارة الرعية والإحتفال بالقدّاس وإقامة مراسم العماد و​الزواج​ والمآتم، في حين أن الراعي تتخطى مسؤلياته الوظائفيّة، إلى السهر على خلاص أبنائه، والذي سيقدّم حسابًا لدى الله في هذا الشأن. أضف إلى ذلك مسؤليّته في تطبيق ​إنجيل​ الدينونة: كنت جائعًا فأطعمتموني(متى ٢٥: ٣١-٤٦).
الراعي الصالح لا يرعى شعبه من عنديّاته، إنما بالكلمة التي تسقط عليه من فوق من لدن الله، فيترجمها اعمالاً صالحة. والراعي الصالح لا يدوس رعيته لكي يظهر ويكون في أول المتكآت، بل أعماله تتكلم عنه. هو يتقدم رعيته في المَلمات والصعاب، لا يختبئ عند الشدائد وينظّر من بعيد، إنما يقود ​السفينة​ بنفسه ويتقدم شعبه ويواجه في الصفوف الأمامية، لكي يكون قدوة لرعيته.
هناك رعاة كثيرون لم يرتدوا ثوب الكهنوت، وقد أحسنوا الأداء في عملهم الرعائي والبشارة، وقد لمست لمس اليد تفاني أعضاء من ​حركة الشبيبة الأرثوذكسية​، على سبيل المثال لا الحصر، مع بداية ما سمي ب​الثورة​، مرورًا بجائحة ​كورونا​ ولغاية تاريخه، كيف بذلوا أنفسهم في خدمة الكلمة وشعب الله على كافة الصعد والمستويات. وأحيانًا كثيرة كانوا لي مصدر إلهام وتعزية في لحظات ضعف أمام المصائب المتراكمة. هذه الأمانة المقّدسة التي تُرجمت عند شبيبة الرعايا سواء في ​الكنيسة الأرثوذكسية​ أو الكاثوليكية، هي الأمل وهم الرجاء، ولذلك لا أخاف على الكنيسة وعلى شعب الله طالما هناك نبض في ​الشباب​ واندفاع إلى خدمة الكلمة والموائد دون إهمال أحد.
لقد ترجم شبابنا محبتهم للبذل والعطاء بعد إنفجار ٤ آب المشؤوم، وكانوا قدوة في العمل التطوعي، وسبّاقين في الخدمة، وبالتالي نحن لحقنا بهم. لم يتوقفوا عن دورهم البشاري، واستفادوا من وسائل التواصل الإجتماعي المتاحة ليبقوا على التواصل والتفاعل وتقديم خدمة البشارة للأولاد والشباب والعائلات في أوقات الإقفال العام، حتى لا تفتر المحبة ولا يضعف الإيمان، وبالتالي تبقى شعلة الإنجيل والشهادة للربّ مضاءة في هذه الرعية او تلك الأبرشية، وخصوصًا في الكنيسة الإنطاكية الجريحة والمتألمة.
شبيبة الرعايا مع رعاة كثر فهموا إنجيل الدينونة بامتياز، ولذلك عملوا على تطبيقه ومن ثم بشروا بكلمة الرب. فكانت عندهم المساعدة الماديّة والمعنويّة للمعوزين هدف أساسي، ونشكر الله أن احباءَ كثيرين في لبنان وبلاد الاغتراب، لم يتأخروا لحظة عن تقديم الدعم اللازم، ولبّوا نداء الله، وقاموا بالواجب وما زالوا. فمغبوط عطاءهم ومبارك ثمر جهود شبيبتنا.
هؤلاء الشباب صنعوا لاهوت الخدمة ولاهوت البشارة، وطبّقوا أمورًا عجز عن تطبيقها لاهوتيّون كبار، وبسببهم آمن كثر بعمل الله في شباب كنيسته، لأنهم فهموا أننا بالله: نحيا ونتحرك ونوجد.
مسؤوليتنا نحن الرعاة كبيرة في دعم شبيبتنا، وبالتالي علينا أن لا نكمَّ ثورًا دارسًا، بل فلنصلي أولاً لهم، ولنحتضنهم ونعضدهم ونقوّي عزيمتهم، ونشجّعهم بكل ما للكلمة من معنى، ونضع كل إمكانياتنا بتصرفهم. فالكنيسة لا تقوم إلا بهمّة شبابها وحكمة شيبها وبركة رعاتها.