يُخطئ من يَظنّ أنّ مسألة تشكيل الحُكومة مُرتبطة حصرًا بخلاف بين رئيسي تيّاري "المُستقبل"، رئيس الحُكومة المُكلّف ​سعد الحريري​، و"الوطني الحُرّ" النائب ​جبران باسيل​، بشأن بعض التفاصيل. فالمسألة هي عبارة عن فشل كامل للتسوية التي كانت قد أوصلت العماد ​ميشال عون​ إلى منصب رئيس الجُمهوريّة، والنائب الحريري إلى منصب رئيس السُلطة التنفيذيّة. وبالتالي، ما حصل خلال المرحلة الأخيرة هو عبارة عن إفشال مُتعمّد للعهد الرئاسي، وهذا الأمر مُرشّح للإستمرار في الفترة الزمنيّة المُتبقيّة من ​رئاسة​ العماد عون، وفق واحد من ثلاثة سيناريوهات.

السيناريو الأوّل، في حال نجاح الجُهود والوساطات الداخليّة والخارجيّة في تأمين ولادة حُكومة جديدة برئاسة سعد الحريري، فإنّ نوعًا من زواج المَصلحة سينشأ لمُحاولة إبطاء الإنهيار الحاصل، إلى حين إجراء الإنتخابات النيابيّة. وسيُحاول كل طرف، أكان "المُستقبل" أم "الوطني الحُر"، أو سواهما، الظُهور بمظهر الفريق الذي يجهد لإنقاذ ​لبنان​ واللبنانيّين، في مُحاولة لإستعادة تأييد شعبي فقدته مُختلف الأحزاب والتيّارات السياسيّة على الساحة اللبنانيّة. لكن حتى هذا السيناريو لن يكون مفروشًا بالورود، بسبب تضارب أساليب ومصالح كل من الفريقين المَذكورين، حيث أنّ سعي "التيّار" لإلقاء اللوم لما حصل من إنهيار داخلي مُدمّر، على السياسات الإقتصاديّة والماليّة التي إعتمدت خلال العُقود الثلاثة الماضية، يُصيب "تيّار المُستقبل" بالدرجة الأولى. وهذا الأخير الذي يسعى لتعزيز شبكة علاقات داخليّة تُنهي مرحلة الوُجود الفاعل لخصمه "التيّار الوطني الحُرّ" في السُلطة والحُكم، إعتبارًا من مرحلة ​الإنتخابات النيابية​ ثم الرئاسيّة المُقبلتين، يصيب "الوطني الحُر" بشكل مُباشر. وبالتالي، إنّ أي حكومة برئاسة الحريري لن تعمل كفريق مُتجانس على الإطلاق، بل ستكون المصالح مُتضاربة ما بين وزرائها، ومصيرها لن يكون أفضل من سابقاتها، خاصة وأنّنا على بُعد أشهر من إستحقاقات إنتخابيّة تحتاج لإعادة تحفيز الناس على التأييد من خلال طُروحات سياسيّة طنّانة وشعارات شعبويّة برّاقة!.
السيناريو الثاني، في حال فشل الحريري في ​تأليف​ حكومة، وإضطراره مُرغمًا إلى التنحّي جانبًا، فإنّ "تيّار المُستقبل" ومعه مجموعة واسعة من القوى السياسيّة مثل "​حركة أمل​" و"​المردة​" على سبيل المثال لا الحصر، سيعملون جميعًا على إفشال ما تبقّى من ​العهد​ الرئاسي. ومن المُتوقّع أن تلقى أي حُكومة برئاسة أي شخصيّة من خارج عباءة رئيس "تيّار المُستقبل" المَدعوم من رؤساء الوزراء السابقين ومن ​دار الفتوى​، مُعارضة عنيفة تفوق تلك التي لقيتها حكومة الدُكتور حسّان دياب التي فشلت فشلاً ذريعًا، حتى قبل إستقالتها وتحوّلها إلى حكومة صُوريّة تحت مُسمّى ​تصريف الأعمال​! ولأنّ الإنتخابات على الأبواب، وبإعتبار أنّ شعارات المُعارضة هي أفضل شعبويًا من شعارات المُوالاة، فإنّ قوى أخرى ستنضمّ إلى مُعارضة ​الحكومة​ المُذكورة، إنطلاقًا من مصالح سياسيّة وحزبيّة مُختلفة، ومن هذه القوى يمكن أن نذكر حزبي "​القوات​ اللبنانيّة" و"​الكتائب​ اللبنانيّة" على سبيل المثال.
السيناريو الثالث، في حال الفشل في تأمين أغلبيّة عدديّة نيابيّة لمنح الثقة لمُطلق أيّ حكومة جديدة، بغضّ النظر عن تركيبتها وعن هويّة رئيسها، وبالتالي في حال بقاء حُكومة تصريف الأعمال الحاليّة حتى موعد الإنتخابات، فإنّ الأمور لن تكون أفضل بالنسبة إلى العهد الرئاسي. فالحملات على العهد ستزداد وستتضاعف، وهي ستتغذّى من النقمة الشعبيّة الواسعة الناجمة ممّا وصلت إليه الأمور معيشيًا وحياتيًا وعلى مُختلف الصُعد من دون إستثناء. وليس بسرّ أنّ رئيس "التيّار الوطني الحُرّ" الوزير السابق جبران باسيل لم يتمكّن من بناء شبكة حماية للعهد، حيث إنفجر الخلاف بين "التيّار" والقوى المسيحيّة الرئيسة تباعًا، ليُصبح "التيّار" وحده على الساحة المسيحيّة، قبل أن تتوسّع عزلة "التيّار"، مع تحوّل قوى وأحزاب إسلاميّة عدّة إلى موقع الخُصومة مع "التيّار"، ناهيك عن خلافات هذا الأخير عربيًا وخارجيًا أيضًا. وبالتالي، كلّما إقتربنا من موعد الإستحقاقات الإنتخابيّة، ستشتدّ المعارك السياسيّة والإعلاميّة المُتبادلة، وستنصبّ السهام على العهد الرئاسي من كل حدب وصوب، بإعتبار أنّ أيّامه تكون شارفت على الإنتهاء، ويوجد تشابك مصالح واسع، داخلي وخارجي، لإضعاف "التيّار" بشكل كبير في المرحلة المُقبلة.
في الختام، وبغضّ النظر عن الأسباب، وعن نسب تحمّل المسؤوليّة، من الواضح أنّ عهد العماد ميشال عون فشل في ​تحقيق​ شعارات الإصلاح والتغيير العالية السقف التي رفعها، والحرب المَفتوحة على العهد ستبقى قائمة وستشتدّ حتى اليوم الأخير منه. والمُفارقة أنّ خُصوم "التيّار الوطني الحُرّ" يتمنّون ضُمنيًا ألاّ يتراجع خُطوة إلى الوراء، لأنّ هذا الأمر قد يفتح الباب أمام إنقاذ ما يُمكن إنقاذه، بينما مُواصة "التيّار" سياسته الهُجومية والحازمة ضُدّ خُصومه، يُسهّل عليهم مُتابعة ​مسيرة​ إفشال العهد حتى آخر يوم من الولاية الرئاسيّة!.